ومما قد يؤيد أن هذه الوجوه المختلفة كانت في الشهرة بمنزلة واحدة فكتبت لذلك بوجه في مصحف وبوجه آخر في مصحف ثان كون كلا الوجهين يمثّل اتجاها لغويا لطائفة من العرب، في الغالب، وقد تتبّع صاحب كتاب المباني هذه الوجوه المختلفة حرفا حرفا وبيّن وجهها في العربية وكيفية استعمالها في القرآن [1] . وأوضح مثال على ذلك هو كتابة الفعل المضعّف الآخر (يرتد) في قوله تعالى (المائدة 5/ 54) يا أيها الّذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه بدالين في مصاحف أهل المدينة (يرتدد) وبدال واحدة (يرتدّ) في مصاحف أهل العراق، فقد عقد سيبويه بابا سمّاه (باب مضاعف الفعل واختلاف العرب فيه) بيّن فيه أن العرب مجمعون على الإدغام إذا تحرّك آخر الفعل المضعّف، فإذا كان الحرف في موضع تسكن فيه لام الفعل فإنّ أهل الحجاز يفكّون الإدغام ويحرّكون أول المضعّف فيقولون: اردد واجترر، وأمّا بنو تميم فيدغمون المجزوم كما أدغموا إذا كان الحرفان متحركين فيسكّنون الأول ويحرّكون الثاني وهو قول غيرهم من العرب وهم كثير [2] . فيقولون: ردّ واجترّ. وقد قال جمال الدين بن مالك: «أنزل الله القرآن بلغة الحجازيين إلّا قليلا فإنه نزل بلغة التميميين كالإدغام في {وَمَنْ يُشَاقِّ اللََّهَ} (الأنفال 8/ 13) وفي {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} (المائدة 5/ 54) فإنّ إدغام المجزوم لغة تميم، ولهذا قلّ، والفك لغة الحجاز ولهذا كثر، نحو {وَلْيُمْلِلِ} (البقرة 2/ 282) {يُحْبِبْكُمُ اللََّهُ} (آل عمران 3/ 31) {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (طه 20/ 31) {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي} (طه 20/ 81) » [3] . وتتبع الوجوه الأخرى وملاحظة مذاهب العرب في التغيير في مثلها تكشف عما يلاحظ في (يرتدّ ويرتدد) تأمّل (وصّى أوصى وتأمرونّي تأمرونني) ، ويكفي قبل كل هذا ومعه أن هذه الوجوه قد ثبتت فيها الرواية وصحّ النقل وجاءت مجيء التواتر رسما وتلاوة.
أما علاقة الأداء بهذه الكلمات المرسومة على أكثر من وجه في المصاحف فإن تأمل اتجاهات القراءة في أول نشأتها تظهر كما سبق أن قراء كل مصر من الأمصار الإسلامية قد نقلوا من القراءات التي أخذوها من الصحابة ما يوافق خط مصحفهم لذلك
(1) انظر: ص (133121) من مقدمة الكتاب التي نشرها آرثر جفري.
(2) انظر: الكتاب، ج 2، ص (159158) .
(3) السيوطي: الإتقان، ج 2، ص 103.