وقال «ابن الطيب» : «قد أطال «أبو حيان» ـ عفا الله عنه ـ على عادته في التحامل على «ابن مالك» بلا طائل، وأبدى أدلة حالية بالتمويه، خالية من الدلائل، وحاصل ما قاله: إن نحاة البلدين البصرة والكوفة لم يستدلّوا بالحديث، وتابعهم على ذلك نحاة الأقاليم، وعلل ذلك بوجهين:
جواز الرواية بالمعنى.
ووقوع اللحن كثيرا في الأحاديث، لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم. وبنى على ذلك كلامه كلّه، واعتراضه على «ابن مالك» . فأما عدم استدلالهم
(1) «تمهيد القواعد» 5: 171 نقلا من كتاب «أصول التفكير النحوي» : 137.
بالحديث فلا يدل على أنهم يمنعون ذلك، ولا يجوّزونه كما توهمه، بل تركهم له لعدم تعاطيهم إياه، وقلّة إسفارهم عن محيّاه، على أن كتب الأقدمين الموضوعة في اللغة لا تكاد تخلو عن الأحاديث والاستدلال بها على إثبات الكلمات، واللغة أخت النحو. وأيضا في الصدر الأول لم يكن الحديث مدوّنا مشهورا مستعملا استعمال الأشعار العربية، والآي القرآنية، وإنما اشتهر ودوّن بعدهم، فعدم احتجاجهم به لعدم اشتهاره بينهم، وعلماء الحديث غير علماء العربية، ولما تداخلت العلوم وتشاركت استعملوا بعضها في بعض، وأدخلوا فنّا في فن، حتى صارت المنقولات المحضة نوعا من المعقولات. وبالجملة فكونهم لم يحتجّوا بالحديث لا يلزم منه منعهم ذلك كما لا يخفي وأما ادّعاؤه أن نحاة الأقاليم تابعوهم على ذلك فهو مصادرة بل هذه كتب الأندلسيين، وأهل المغرب قاطبة مشحونة بذلك».