فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 310

وقال «ابن الطيب» أيضا: «أما الرواية بالمعنى فهي وإن كان رأي قوم، فقد منعها آخرون، منهم: مالك ـ رضي الله عنه ـ، بل نسب المنع للجمهور من المحدّثين والأصوليين والفقهاء، كما نقله «القرطبي» وغيره. وبعد تسليمه، فمن أجازه اشترط له شروطا مشهورة في علوم الاصطلاح لم تذكر في شيء مما استدل به «ابن مالك» وغيره، بل قالوا: إنه لا يجوز النقل بالمعنى إلا لمن أحاط بدقائق علم اللغة، وكانت جميع المحسنات الفائقة بأقسامها على ذكر منه، فيراعيها في نظم كلامه، ثم فتح احتمال التغيير والتصرّف يؤدي إلى خرق بعيد الالتئام، في جميع الأحكام، لأن المخالف يقول لمخالفه المستدلّ في حكم بلفظ حديث: لعل هذا اللفظ من الراوي. وقالوا: إذا فتح هذا الباب لا يبقى لنا وثوق بحديث، ولا اطمئنان لشيء من الآثار الواردة عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأوجد المبتدعة مسلكا للطعن في جميع الأحاديث، وانتقلنا إلى النظر في دلالالتها على العمومات والإطلاقات، وغير ذلك مما يترتب على هذا القول من المفاسد العظام.

وأما ادّعاء اللحن في الحديث، فهو باطل؛ لأنه إن أراد اللحن الذي هو الخطأ في الإعراب بحيث لا يتخرج على وجه من الوجوه، فهذا لا وجود له في شيء من الأحاديث أصلا، وإن أراد أنه على خلاف الظاهر، كنصب الجزأين

بـ «إنّ» ونحوه من الأحاديث الواردة على لغة من اللغات الغير (1) المشهورة، فهذا لا يضرّ؛ لأن القرآن العظيم ـ وهو متواتر ـ فيه آيات على خلاف الظاهر في الإعراب، احتاج هو في «بحره» و «نهره» إلى تأويلها، وتخريجها على وجه صحيح، ولم يدّع أنها ملحونة، وإن ورد في كلام «عائشة» ـ رضي الله عنها ـ وغيرها التعبير في حقها باللحن، فقد أجابوا عنه كما بسطه «الجلال» في «الإتقان» ، ولم تخرج بسبب ذلك عن القرآن» (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت