وإن وقع بعد ذلك شك في بعض الروايات من غلط أو تصحيف، فنزر يسير، لا يقاس أبدا إلى أمثاله في الشعر، وكلام العرب، فكثير من الأشعار نفسها رويت بروايات مختلفة، وبعضها موضوع، وربما كان ما فطنوا إلى وضعه منه أقل من القليل، وجاز عليهم أكثر الموضوع إذ كان واضعه قد أحسن المحاكاة. قال «الخليل بن أحمد» : «إن النحارير ربما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللبس والتعنيت» (2) .
وأنتم تحتجون بهذا الشعر والنثر، على عجره
(1) في الحديث: « ... وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم ـ أو على مناخرهم ـ إلّا حصائد ألسنتهم» . أخرجه «الترمذي» في «سننه» في (أبواب الإيمان ـ باب ما جاء في حرمة الصلاة) 4: 125، من حديث «معاذ بن جبل» ـ رضي الله عنه ـ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2) «الصاحبي» 30 المطبعة السلفية بالقاهرة.
وبجره، هذا من حيث المتن، وأما من حيث السند فقد عرف المجيزون والمانعون أن ما في روايات الحديث من ضبط، ودقة، وتحرّ، لا يتحلى ببعضه كل ما يحتج به النحاة واللغويون من كلام العرب، حتى قال «الأعمش» : «كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واوا أو ألفا أو دالا» (1) .
وأما المانع الثاني، وهو وقوع لحن في بعض الأحاديث المروية، فهو شيء ـ إن وقع ـ قليل جدا، لا يبنى عليه حكم، وقد تنبه إليه الناس وتحاموه، ولم يحتج به أحد، ولا يصح أن يمنع من أجله الاحتجاج بهذا الفيض الزاخر من الحديث الصحيح إلا إن جاز إسقاط الاحتجاج بالقرآن الكريم؛ لأن بعض الناس يلحن فيه. وأنت تعرف إلى هذا أنهم قد تشددوا في أخذ الناس بضبط ألفاظ الحديث، حتى إذا لحن فيه شاد (2) أو عاميّ، أقاموا عليه النكير، بل إن بعضهم ليدخله النار بسببه، وكان هذا التشديد تقليدا متوارثا في حملة الحديث حتى يومنا هذا.