فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 310

وأما الثانية فقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ في اللغة القرشية التي هي أفصح اللغات وألينها، بالمنزلة التي لا يدافع عليها، ولا ينافس فيها، وكان من ذلك في أقصى النهاية، وإنما فضلهم بقوة الفطرة، واستمرارها وتمكنها، مع صفاء الحسّ، ونفاذ البصيرة، واستقامة الأمر كله، بحيث يصرّف اللغة تصريفا، ويديرها على أوضاعها، ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه؛ لأن القوة على الوضع، والكفاية في تشقيق اللغة وتصاريف الكلام، لا تكون في أهل الفطرة مزاولة ومعاناة، ولا بعد نظر فيها، وارتياض لها، إنما هي إلهام بمقدار، تهيّء له الفطرة القوية، وتعين عليه النفس المجتمعة، والذهن الحادّ، والبصر النفّاذ، فعلى حسب ما يكون

للعربي في هذه المعاني، تكون كفايته، ومقدار تسديده في باب الوضع.

وليس في العرب قاطبة من جمع الله فيه هذه الصفات، وأعطاه الخالص منها، وخصه بجملتها، وأسلس له مآخذها، وأخلص له أسبابها، كالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو اصطنعه لوحيه، ونصبه لبيانه، وخصه بكتابه، واصطفاه لرسالته، وما ذا عسى أن يكون وراء ذلك في باب الإلهام، وجمام الطبيعة، وصفاء الحاسة، وثقوب الذهن، واجتماع النفس، وقوة الفطرة، ووثاقة الأمر كله بعضه إلى بعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت