فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 310

ولا يذهبنّ عنك أن للنشأة اللغوية في هذا الأمر ما بعدها، وأن أكبر الشأن في اكتساب المنطق واللغة، للطبيعة والمخالطة والمحاكاة، ثم ما يكون من سمو الفطرة، وقوتها، فإنما هذه سبيله: يأتي من ورائها، وهي الأسباب إليه؛ وقد نشأ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتقلّب في أفصح القبائل وأخلصها منطقا، وأعذبها بيانا، فكان مولده في بني هاشم، وأخواله في بني زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوّجه في بني أسد، ومهاجرته إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة واللغة؛ ولقد كان في قريش وبني سعد وحدهم ما يقوم بالعرب جملة، ولذا قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر» (1) .

وهو قول أرسله في العرب جميعا، والفصاحة أكبر أمرهم، والكلام سيد عملهم، فما دخلتهم له حميّة، ولا تعاظمهم، ولا ردّوه، ولا غضّوا منه، ولا وجدوا إلى

(1) هم بنو سعد بن بكر، وكانوا من العرب الضاربة حول مكة، وكان أطفال القرشيين يتبدون فيهم وفي غيرهم، يطلبون بذلك نشأة الفصاحة، ولا يزال كبراء مكة إلى اليوم يرسلون أحداثهم إلى أماكن هذه القبائل من البادية، وخاصة إلى قبيلة عدوان في شرق الطائف، وهي قريبة من بني سعد، وإنما يطلبون بذلك إحكام اللهجة العربية، وصحة النشأة، وحرية النزعة. وما إليها مما هو الأصل في هذه العادة يتوارثونها في التربية العربية من قديم.

وبنو سعد هؤلاء غير بني سعد بن زيد مناة بن تميم، الذين من لغتهم إبدال الحاء هاء لقرب المخرج، وليست لغتهم خالصة في الفصاحة.

والرواة جميعا على أن بني سعد بن بكر خصوا من بين قبائل العرب بالفصاحة، وحسن البيان. أه «الرافعي» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت