وعلى فرض التسليم بأن مناظر الشافعي ينكر أصل الحجية فإنه يكون حينئذ زنديقًا ينتمي لأحد الفرق الخارجة عن الملة.
أما الفرق المنسوبة إلى الملة فإنها وإن انحرفت عن الحق وضلت في هذه المسألة إلا أنها لم تتجرأ على رفض حجية السنة من حيث المبدأ لعلمها بأن ذلك مخرج عن الملة، فإن الخوارج مثلا لا يرفضون أصل السنة، ولكنهم لا يقبلون الأحاديث إلا عمن يتولونه من الصحابة.
وكذا الشيعة غير الغلاة فإنهم قبلوا الأحاديث الواردة من طريق أئمتهم عمن لم يكفروه من الصحابة وردوا ما عداها.
وقد ضل الفريقان في هذا الباب، ونتج عن ذلك ضلالهم معتقدا وسلوكا.
أما غلاة الشيعة من الرافضة فإنهم كفار خارجون عن الملة لاعتقادهم أن النبوة لعلي وأن جبريل أخطأ في نزوله إلى محمد صلى الله عليه وسلم [1] ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وأختم هذا المبحث بقول الحافظ ابن حزم:"لما بينا أن القرآن هو الأصل"
المرجوع إليه في الشرائع نظرنا فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله صلى الله عليه وسلم:
{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي} [2] ، فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام، وهو القرآن.
والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله
(1) انظر: مفتاح الجنة 3.
(2) النجم: (3، 4) .