الواحد منهم إذا سئل عن حديث يتمنى أن يكفيه أخوه مؤونة التحديث به، وكان عبد الله بن مسعود مثلًا إذا حدث اضطرب وعلته صفرة فما أن ينهي الحديث حتى يقول:"أو نحو ذا أو شبه ذا"إبراء لذمته أن يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، وكان هذا نهج باقي الصحابة، فنجد عبد الله ابن الزبير مثلًا يقول لوالده الزبير: ما لي لا أراك تحدث عن رسول الله كما يحدث فلان وفلان؟ فقال: أما إني لم أفارقه في سفر أو حضر، ولكني سمعته يقول:"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" [1] ، وكان بعض الصحابة يقولون:"لولا آيات وأحاديث الوعيد على كتم العلم ما حدثناكم"، وكان بعض الصحابة يحدث بالحديث وهو على فراش الموت خروجًا من إثم كتم العلم.
الشبهة الثالثة: قالوا: إن نظرية النقد عند المحدثين تختص بالسند فقط دون المتن، لذلك نجد أحاديث كثيرة صحيحة الإسناد ومتونها باطلة.
الجواب:
هذا كلام جاهل ومغرض، وذلك أن المحدثين وضعوا معايير لنقد السند ومعايير أخرى لنقد المتن، بل إن معايير نقد المتن تتجاوز في العدد معايير نقد السند، فإن معايير نقد السند ستة إجمالًا؛ وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة القادحة، ووجود العاضد عند الاحتياج
إليه. أما معايير نقد المتن فهي أكثر من خمسة عشر منها:
عدم مخالفة القرآن، عدم مخالفة محكم السنة، عدم مخالفة الإجماع المستقر، عدم مخالفة المعلوم من الدين بالضرورة، عدم مخالفة العقل الصريح، عدم مخالفة الحس الصحيح، عدم مخالفة حقائق التاريخ الثابتة، أن لا يكون الحديث ركيك اللفظ، أن لا يخالف القواعد العامة في الحكم والأخلاق، أن لا يخالف البدهي في
(1) البخاري مع الفتح 1/ 272 ح 108.