قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)
خَتَمَ السُّورَةَ بِأَنْ أَمَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ وَتَوَقُّعِ الْفَرَجِ مِنْ عِنْدِهِ، أَيِ احْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ وَانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ.
رَوَى سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَقُولُ:(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا.
وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ) [الْأَعْرَافِ: 89] فَأُمِرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) فَكَانَ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ يَقُولُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوَّهُ عَلَى الْبَاطِلِ (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) أَيِ اقْضِ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصِّفَةُ هَاهُنَا أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ وَالتَّقْدِيرُ: رَبِّ احْكُمْ بِحُكْمِكَ الْحَقِّ.
وَ (رَبِّ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ نِدَاءٌ مُضَافٌ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: (قُلْ رَبُّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) بِضَمِّ الْبَاءِ.
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَحْنٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ رَجُلُ أَقْبِلْ، حَتَّى تَقُولَ يَا رَجُلُ أَقْبِلْ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ.
وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَطَلْحَةُ وَيَعْقُوبُ: (قَالَ رَبِّي أَحْكَمُ بِالْحَقِّ) بِقَطْعِ الْأَلِفِ مَفْتُوحَةَ الْكَافِ وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ.
أَيْ قَالَ مُحَمَّدٌ رَبِّي أَحْكَمُ بِالْحَقِّ مِنْ كُلِّ حَاكِمٍ.
وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ (قُلْ رَبِّي أَحْكَمَ) عَلَى مَعْنَى أَحْكَمَ الْأُمُورَ بِالْحَقِّ.
(وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ) أَيْ تَصِفُونَهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ.