وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ، فِي أَصْلِ الْجِنِّ، فَرَوَى إِسْمَاعِيلُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الْجِنَّ وَلَدُ إِبْلِيسَ، وَالْإِنْسَ وَلَدُ آدَمَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ وَكَافِرُونَ، وَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنًا فَهُوَ وَلِيُّ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كَافِرًا فَهُوَ شَيْطَانٌ.
وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْجِنَّ هُمْ وَلَدُ الْجَانِّ وَلَيْسُوا بِشَيَاطِينَ، وَهُمْ يُؤْمِنُونَ، وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَمِنْهُمُ الْكَافِرُ، وَالشَّيَاطِينُ هُمْ وَلَدُ إِبْلِيسَ لَا يَمُوتُونَ إِلَّا مَعَ إِبْلِيسَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ، عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِمْ.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مِنَ الْجَانِّ لَا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْلِيسَ قَالَ: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِإِيمَانِهِمْ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْلِيسَ فَلَهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ يَدْخُلُونَهَا.
الثَّانِي - وَهُوَ رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ
لَا يَدْخُلُونَهَا وَإِنْ صُرِفُوا عَنِ النَّارِ.
حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ (الرَّحْمَنِ) عِنْدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) [الرحمن: 56] بَيَانُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا.
* قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ فَقَالَ: (لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَطْعَمُونَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ كَفَرَةِ الْأَطِبَّاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْجِنَّ، وَقَالُوا: إِنَّهُمْ بَسَائِطُ، وَلَا يَصِحُّ طَعَامُهُمْ، اجْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَافْتِرَاءً، وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ بَسِيطٌ مُرَكَّبٌ مُزْدَوَجٌ، إِنَّمَا الْوَاحِدُ الْوَاحِدُ سُبْحَانَهُ، وَغَيْرُهُ مُرَكَّبٌ وَلَيْسَ بِوَاحِدٍ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ حَالُهُ.
وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُوَرِهِمْ كَمَا يَرَى الْمَلَائِكَةَ.
وَأَكْثَرُ مَا يَتَصَوَّرُونَ لَنَا فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ، فَفِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ رَجُلًا حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ ... الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَإِذَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: (إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ) .
وَقَالَ: (اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ) وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) وَبَيَانُ التَّحْرِيجِ عَلَيْهِنَّ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْمَدِينَةِ، لِقَوْلِهِ فِي الصَّحِيحِ: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا) .
وَهَذَا لَفْظٌ مُخْتَصٌّ بِهَا فَيَخْتَصُّ بِحُكْمِهَا.
قُلْنَا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْبُيُوتِ مِثْلُهَا، لِأَنَّهُ»
لَمْ يُعَلَّلْ بِحُرْمَةِ الْمَدِينَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ مَخْصُوصًا بِهَا، وَإِنَّمَا عُلِّلَ بِالْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي غَيْرِهَا، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ الَّذِي لَقِيَ: وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، وَهَذَا بَيِّنٌ يُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَنَهَى عَنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ) وَهَذَا عَامٌّ.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) القول في هذا فلا معنى للإعادة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا)
أَيْ فِي فَصَاحَةِ كَلَامِهِ.
وَقِيلَ: عَجَبًا فِي بَلَاغَةِ مَوَاعِظِهِ.
وَقِيلَ: عَجَبًا فِي عِظَمِ بَرَكَتِهِ.
وَقِيلَ: قُرْآنًا عَزِيزًا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ.
وَقِيلَ: يَعْنُونَ عَظِيمًا.
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أَيْ إِلَى مَرَاشِدِ الْأُمُورِ.
وَقِيلَ: إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ويَهْدِي فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ أَيْ هَادِيًا.
فَآمَنَّا بِهِ أَيْ فَاهْتَدَيْنَا بِهِ وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا
أَيْ لَا نَرْجِعُ إِلَى إِبْلِيسَ وَلَا نُطِيعُهُ، لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ بَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِالْخَبَرِ، ثُمَّ رُمِيَ الْجِنُّ بِالشُّهُبِ.
وَقِيلَ لَا نَتَّخِذُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، لِأَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ.
وَفِي هَذَا تَعْجِيبُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَهَابِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْجِنُّ بِتَدَبُّرِهَا الْقُرْآنَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)
أَيِ اسْتَمَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلِمُوا أَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُسْتَمَعَ إِلَيْهِ لِدِلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ.
وَالنَّفَرُ الرَّهْطُ، قَالَ الْخَلِيلُ: مَا بَيْنَ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ.