لَمَّا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلُ ذِكْرُ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْعُمُومِ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ وَالثَّوَابَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَا يُتْبِعُ إِنْفَاقَهُ مَنًّا وَلَا أَذًى، لِأَنَّ الْمَنَّ وَالْأَذَى مُبْطِلَانِ لِثَوَابِ الصَّدَقَةِ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ بَعْدَ هَذَا، وَإِنَّمَا عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُرِيدَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابَهُ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجُو مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يَنْظُرُ من أحوال فِي حَالٍ سِوَى أَنْ يُرَاعِيَ اسْتِحْقَاقَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا) .
وَمَتَى أَنْفَقَ لِيُرِيدَ مِنَ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ جَزَاءً بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَهَذَا لَمْ يُرِدْ وَجْهَ اللَّهِ، فَهَذَا إِذَا أَخْلَفَ ظَنَّهُ فِيهِ مَنَّ بِإِنْفَاقِهِ وَآذَى.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْفَقَ مُضْطَرًّا دَافِعَ غُرْمٍ إِمَّا لِمَانَّةٍ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَوْ لِقَرِينَةٍ أُخْرَى مِنَ اعْتِنَاءِ مُعْتَنٍ فَهَذَا لَمْ يُرِدْ وَجْهَ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا يُقْبَلُ مَا كَانَ عَطَاؤُهُ لِلَّهِ وَأَكْثَرُ قَصْدِهِ ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، كَالَّذِي حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَاهُ فَقَالَ:
يَا عُمَرَ الْخَيْرِ جُزِيَتَ الْجَنَّهْ ... اكْسُ بُنَيَّاتِي وَأُمَّهُنَّهْ
وَكُنْ لَنَا مِنَ الزَّمَانِ جُنَّهْ ... أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ
قَالَ عُمَرُ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ:
إِذًا أَبَا حَفْصٍ لَأَذْهَبَنَّهْ
قَالَ: إِذَا ذَهَبْتَ يَكُونُ مَاذَا؟! قَالَ:
تَكُونُ عَنْ حَالِي لَتُسْأَلَنَّهْ ... يَوْمَ تَكُونُ الْأُعْطِيَاتُ هَنَّهْ
وَمَوْقِفُ الْمَسْئُولِ بَيْنَهُنَّهْ ... إِمَّا إِلَى نَارٍ وَإِمَّا جنه
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا كَانَ الْعَطَاءُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ خَالِيًا مِنْ طَلَبِ جَزَاءٍ وَشُكْرٍ وَعُرْيًا عَنِ امْتِنَانٍ وَنَشْرٍ كَانَ ذَلِكَ أَشْرَفَ لِلْبَاذِلِ وَأَهْنَأَ لِلْقَابِلِ.
فَأَمَّا الْمُعْطِي إِذَا الْتَمَسَ بِعَطَائِهِ الْجَزَاءَ، وَطَلَبَ بِهِ الشُّكْرَ وَالثَّنَاءَ، كَانَ صَاحِبَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، وَفِي هَذَيْنِ مِنَ الذَّمِّ مَا يُنَافِي السخاء.
وإن طلب كَانَ تَاجِرًا مُرْبِحًا لَا يَسْتَحِقُّ حَمْدًا وَلَا مَدْحًا.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْقَ صَاحِبَ الْحَاجَةِ بِالْبِشْرِ فَإِنْ عَدِمْتَ شُكْرَهُ لَمْ تَعْدَمْ عُذْرَهُ.
وَحَكَى ابْنُ لنكك أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ دُرَيْدٍ قَصَدَ بَعْضَ الْوُزَرَاءِ فِي حَاجَةٍ لَمْ يَقْضِهَا وَظَهَرَ لَهُ مِنْهُ ضَجَرٌ فَقَالَ:
لَا تَدْخُلَنَّكَ ضَجْرَةٌ مِنْ سَائِلٍ ... فَلَخَيْرُ دَهْرِكَ أَنْ تُرَى مَسْئُولًا
لَا تَجْبَهَنْ بِالرَّدِّ وَجْهَ مُؤَمِّلٍ ... فَبَقَاءُ عِزِّكَ أَنْ تُرَى مَأْمُولًا
تَلْقَى الْكَرِيمَ فَتَسْتَدِلُّ بِبِشْرِهِ ... وَتَرَى الْعُبُوسَ عَلَى اللَّئِيمِ دَلِيلًا
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ صَائِرٌ ... خَبَرًا فَكُنْ خبرا يروق جميلا