قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَهُ أَسْلَمَ) أَيِ اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ وَخَضَعَ وَذَلَّ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُنْقَادٌ مُسْتَسْلِمٌ، لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: أَسْلَمَ الْمُؤْمِنُ طَوْعًا وَالْكَافِرُ عِنْدَ مَوْتِهِ كَرْهًا وَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) [المؤمن: 85] .
قَالَ مُجَاهِدٌ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ كَرْهًا بِسُجُودِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَسُجُودِ ظِلِّهِ لِلَّهِ، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ) [النحل: 48] . (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) [الرعد: 15] .
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمُ الْحَسَنُ وَالْقَبِيحُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ وَكُلُّهُمْ مُنْقَادُونَ اضْطِرَارًا، فَالصَّحِيحُ مُنْقَادٌ طَائِعٌ مُحِبٌّ لِذَلِكَ، وَالْمَرِيضُ مُنْقَادٌ خَاضِعٌ وإن كان كارها.
والطوع الانقياد وَالِاتِّبَاعُ بِسُهُولَةٍ. وَالْكُرْهُ مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاءٍ من النفس. وَ (طَوْعًا وَكَرْهًا) مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ طَائِعِينَ وَمُكْرَهِينَ. وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:"وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا"قَالَ: (الْمَلَائِكَةُ أَطَاعُوهُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَنْصَارُ وَعَبْدُ الْقَيْسِ فِي الْأَرْضِ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ أَصْحَابِي أَسْلَمُوا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَأَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ خَوْفِ السَّيْفِ) .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (طَوْعًا) مَنْ أَسْلَمَ مِنْ غَيْرِ مُحَاجَّةٍ (وَكَرْهًا) مَنِ اضْطَرَّتْهُ الْحُجَّةُ إِلَى التَّوْحِيدِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [الزخرف: 87] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [العنكبوت: 63] .
قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُمُومٌ مَعْنَاهُ الْخُصُوصُ. وَعَنْهُ: (أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ) وَتَمَّ الْكَلَامُ. ثُمَّ قَالَ: (وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) .
قَالَ: وَالْكَارِهُ الْمُنَافِقُ لَا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ. وَ (طَوْعًا وَكَرْهًا) مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا اسْتَصْعَبَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُمْ أَوْ كَانَتْ شَمُوسًا فَلْيَقْرَأْ فِي أُذُنِهَا هَذِهِ الْآيَةَ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) إِلَى آخِرِ الآية.