فهرس الكتاب

الصفحة 1370 من 1768

(قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ)

فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ أَتَيْنَا أَمْرَكَ (طَائِعِينَ) .

وَقِيلَ: مَعْنَى هَذَا الْأَمْرِ التَّسْخِيرُ، أَيْ كُونَا فَكَانَتَا كَمَا قَالَ تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: 40] فَعَلَى هَذَا قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِهِمَا.

وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِهِمَا.

وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَوْلٌ تَكَلَّمَ بِهِ.

الثَّانِي أَنَّهَا قُدْرَةٌ مِنْهُ ظَهَرَتْ لَهُمَا فَقَامَ مَقَامَ الْكَلَامِ فِي بُلُوغِ الْمُرَادِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ظُهُورُ الطَّاعَةِ مِنْهُمَا حَيْثُ انْقَادَا وَأَجَابَا فَقَامَ مَقَامَ قَوْلِهِمَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:

امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي ... - مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتُ بَطْنِي

يَعْنِي ظَهَرَ ذَلِكَ فِيهِ.

وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: بَلْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِمَا الْكَلَامَ فَتَكَلَّمَتَا كَمَا أَرَادَ تَعَالَى: (قَالَ أَبُو نَصْرٍ السَّكْسَكِيُّ: فَنَطَقَ مِنَ الْأَرْضِ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ، وَنَطَقَ مِنَ السَّمَاءِ مَا بِحِيَالِهَا، فَوَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ حَرَمَهُ.

وَقَالَ: (طَائِعِينَ) وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ عَلَى اللَّفْظِ وَلَا طَائِعَاتٍ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّهُمَا سماوات وَأَرَضُونَ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمَا وَعَمَّنْ فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَمَّا وَصَفَهُنَّ بِالْقَوْلِ وَالْإِجَابَةِ وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ أَجْرَاهُمَا فِي الْكِنَايَةِ مَجْرَى مَنْ يَعْقِلُ، ومثله: (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) [يوسف: 4] وَقَدْ تَقَدَّمَ.

وَفِي حَدِيثٍ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ لَوْ أَنَّ السماوات وَالْأَرْضَ حِينَ قُلْتَ لَهُمَا (ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) عَصَيَاكَ مَا كُنْتَ صَانِعًا بِهِمَا؟ قَالَ كُنْتُ آمُرُ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي فَتَبْتَلِعُهُمَا.

قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ تِلْكَ الدَّابَّةُ؟ قَالَ: فِي مَرْجٍ مِنْ مُرُوجِي.

قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ ذَلِكَ الْمَرْجُ؟ قَالَ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِي.

ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ (آتَيَا) بِالْمَدِّ وَالْفَتْحِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (آتَيْنَا طَائِعِينَ) عَلَى مَعْنَى أَعْطِيَا الطَّاعَةَ مِنْ أَنْفُسِكُمَا (قالَتا) أَعْطَيْنَا (طَائِعِينَ) فَحَذَفَ الْمَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا.

وَيَجُوزُ وَهُوَ أَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ (آتَيْنَا) فَاعَلْنَا فَحُذِفَ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ.

وَمَنْ قَرَأَ (آتَيْنَا) فَالْمَعْنَى جِئْنَا بِمَا فِينَا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ في غير ما موضع والحمد لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت