وسئل حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَنِ الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: الَّذِي يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ.
وَهُوَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَهُمُ الْيَوْمَ يُظْهِرُونَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائتمن خَانَ) .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائتمن خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) .
أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ كَانَ مُنَافِقًا، وَخَبَرُهُ صِدْقٌ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي يَعْقُوبَ حَدَّثُوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وأتمنوا فَخَانُوا.
إِنَّمَا هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالتَّحْذِيرِ لَهُمْ أَنْ يَعْتَادُوا هَذِهِ الْخِصَالَ، شَفَقًا أَنْ تَقْضِيَ بِهِمْ إِلَى النِّفَاقِ.
وَلَيْسَ الْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ بَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخِصَالُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَاعْتِيَادٍ أَنَّهُ مُنَافِقٌ.
وَقَدْ مَضَى في سورة (براءة) الْقَوْلُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْمُؤْمِنُ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ وَإِذَا ائتمن وَفَّى) .
وَالْمَعْنَى: الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)
قِيلَ: مَعْنَى نَشْهَدُ نَحْلِفُ.
فَعَبَّرَ عَنِ الْحَلِفِ بِالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَلِفِ وَالشَّهَادَةِ إِثْبَاتٌ لِأَمْرٍ مُغَيَّبٍ وَمِنْهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ.
وَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا ... فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتِرَافًا بِالْإِيمَانِ وَنَفْيًا لِلنِّفَاقِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) كَمَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
(وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) أَيْ فِيمَا أَظْهَرُوا مِنْ شَهَادَتِهِمْ وَحَلِفِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ بِضَمَائِرِهِمْ، فَالتَّكْذِيبُ رَاجِعٌ إِلَى الضَّمَائِرِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ، وَعَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْحَقِيقِيَّ كَلَامُ الْقَلْبِ.
وَمَنْ قَالَ شَيْئًا وَاعْتَقَدَ خِلَافَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ.
وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ (الْبَقَرَةِ) مُسْتَوْفًى وَقِيلَ: أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي أَيْمَانِهِمْ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: 56] .