فهرس الكتاب

الصفحة 1182 من 1768

قَوْلُهُ تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)

أَمَّا بَدْءُ خَلْقِهِ فَبِعُلُوقِهِ فِي الرَّحِمِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ، وَأَمَّا إِعَادَتُهُ فَإِحْيَاؤُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ لِلْبَعْثِ، فَجَعَلَ مَا عَلِمَ مِنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِهِ دَلِيلًا عَلَى مَا يَخْفَى مِنْ إِعَادَتِهِ، اسْتِدْلَالًا بِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ، ثم أكد ذلك بقوله

(وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ: (يُبْدِئُ الْخَلْقَ) مِنْ أَبْدَأَ يُبْدِئُ، دَلِيلُهُ قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) [البروج: 13] .

وَدَلِيلُ قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: 29] .

وَ (أَهْوَنُ) بِمَعْنَى هَيِّنٍ، أَيِ الْإِعَادَةُ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وَالْحَسَنُ.

فَأَهْوَنُ بمعنى هين، لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء.

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَمَنْ جَعَلَ أَهْوَنَ يُعَبِّرُ عن تفضيل شيء على شيء فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) [النساء: 30] وبقوله: (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) [البقرة: 255] .

وَالْعَرَبُ تَحْمِلُ أَفْعَلَ عَلَى فَاعِلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:

إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ

أَيْ دَعَائِمُهُ عَزِيزَةٌ طويلة.

وقال آخر:

لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ ... عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ

أَرَادَ: إِنِّي لَوَجِلٌ.

وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا:

إِنِّي لَأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي ... قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأَمْيَلُ

أَرَادَ لَمَائِلٌ.

وَأَنْشَدَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:

تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدَ

أَرَادَ بِوَاحِدٍ.

وَقَالَ آخَرُ:

لَعَمْرُكَ إِنَّ الزِّبْرِقَانَ لَبَاذِلٌ ... لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وَأَفْضَلُ

أَيْ وَفَاضِلٌ.

وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ اللَّهُ الْكَبِيرُ.

وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (وَهُوَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ) .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِعَادَةَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ - أَيْ عَلَى اللَّهِ - مِنَ الْبِدَايَةِ، أَيْ أَيْسَرُ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى هَيِّنًا، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، يَقُولُ: إِعَادَةُ الشَّيْءِ عَلَى الْخَلَائِقِ أَهْوَنُ مِنِ ابْتِدَائِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَعْثُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْبِدَايَةِ عِنْدَكُمْ وَفِيمَا بَيْنَكُمْ

أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِنْشَاءِ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (عَلَيْهِ) لِلْمَخْلُوقِينَ، أَيْ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى الْخَلْقِ، يُصَاحُ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَيَقُومُونَ وَيُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ أَجِنَّةً ثُمَّ أَطْفَالًا ثُمَّ غِلْمَانًا ثُمَّ شُبَّانًا ثُمَّ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً.

وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقُطْرُبٌ.

وَقِيلَ: أَهْوَنُ أَسْهَلُ، قَالَ:

وَهَانَ عَلَى أَسْمَاءٍ أَنْ شَطَّتِ النَّوَى ... يَحِنُّ إِلَيْهَا وَالِهٌ وَيَتُوقُ

أَيْ سَهُلَ عَلَيْهَا، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قال: ما شيء عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ.

عِكْرِمَةُ: تَعَجَّبَ الْكُفَّارُ مِنْ إِحْيَاءِ اللَّهِ الْمَوْتَى فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) أي ما أراده عز وجل كَانَ.

وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْمَثَلُ الصِّفَةُ، أَيْ وَلَهُ الْوَصْفُ الْأَعْلَى (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كَمَا قَالَ: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [الرعد: 35] أَيْ صِفَتُهَا.

وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ: (الْمَثَلُ الْأَعْلى) قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَمَعْنَاهُ: أَيِ الَّذِي لَهُ الْوَصْفُ الأعلى، أي الأرفع الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.

وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْمَثَلُ الْأَعْلَى شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ) عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ آنِفًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قَدْ ضَرَبَهُ لَكُمْ مَثَلًا فِيمَا يَصْعُبُ وَيَسْهُلُ، يُرِيدُ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت