فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ)

«إِنْ قِيلَ» : كَيْفَ جَاءَتْ (مَا) لِلْآدَمِيِّينَ وَإِنَّمَا أَصْلُهَا لِمَا لَا يَعْقِلُ، فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ - أَنَّ (مَنْ) وَ (مَا) قَدْ يَتَعَاقَبَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالسَّماءِ وَما بَناها) أَيْ وَمَنْ بَنَاهَا.

وَقَالَ (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) .

فَـ (مَا) هَاهُنَا لِمَنْ يَعْقِلُ وَهُنَّ النِّسَاءُ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ (مِنَ النِّساءِ) مُبَيِّنًا لِمُبْهَمٍ.

وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ (مَنْ طَابَ) عَلَى ذِكْرِ مَنْ يَعْقِلُ.

الثَّانِي - قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: (مَا) تَقَعُ لِلنُّعُوتِ كَمَا تَقَعُ لِمَا لَا يَعْقِلُ يُقَالُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَيُقَالُ: ظَرِيفٌ وَكَرِيمٌ.

فَالْمَعْنَى فَانْكِحُوا الطَّيِّبَ مِنَ النِّسَاءِ، أَيِ الْحَلَالَ، وَمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِطَيِّبٍ.

وَفِي التَّنْزِيلِ (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) فَأَجَابَهُ مُوسَى عَلَى وَفْقِ مَا سَأَلَ، وَسَيَأْتِي.

الثَّالِثُ - حَكَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ (مَا) فِي هَذِهِ الْآيَةِ ظَرْفِيَّةٌ، أي ما دمتم تستحسنون النِّكَاحَ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا الْمَنْزَعِ ضَعْفٌ.

جَوَابٌ رَابِعٌ - قَالَ الْفَرَّاءُ: (مَا) هَاهُنَا مَصْدَرٌ.

وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، لَا يَصِحُّ فَانْكِحُوا الطَّيِّبَةَ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: طَابَ الشَّيْءُ يَطِيبُ طِيبَةً وَتَطْيَابًا.

قَالَ عَلْقَمَةُ:

كَأَنَّ تَطْيَابَهَا فِي الْأَنْفِ مَشْمُومُ

جَوَابٌ خَامِسٌ - وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا هُنَا الْعَقْدُ، أَيْ فَانْكِحُوا نِكَاحًا طَيِّبًا.

وَقِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ تَرُدُّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ.

وَحَكَى أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ إِذَا سَمِعُوا الرَّعْدَ قَالُوا: سُبْحَانَ مَا سَبَّحَ لَهُ الرَّعْدُ.

أَيْ سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَ لَهُ الرَّعْدُ.

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: سُبْحَانَ ما سخركن لنا. أي من سخركن.

وَاتَّفَقَ كُلُّ مَنْ يُعَانِي الْعُلُومَ عَلَى أَنَّ قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ، إِذْ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفِ الْقِسْطَ فِي الْيَتَامَى لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ: اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا كَمَنْ خَافَ.

فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَنْ خَافَ ذَلِكَ، وَأَنَّ حُكْمَهَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت