أَيْ بَيَّنَّا لَهُ وَعَرَّفْنَاهُ طَرِيقَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ بِبَعْثِ الرُّسُلِ، فَآمَنَ أَوْ كَفَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 10] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ بَيَّنَّا لَهُ السَّبِيلَ إِلَى الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَأَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ: السَّبِيلُ هُنَا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ.
وَقِيلَ: مَنَافِعُهُ وَمَضَارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إِلَيْهَا بِطَبْعِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ.
(إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)
أَيْ أَيُّهُمَا فَعَلَ فقد بينا له.
قال الكوفيون: (إن) هاهنا تَكُونُ جَزَاءً وَ (مَا) زَائِدَةٌ أَيْ بَيَّنَّا لَهُ الطَّرِيقَ إِنْ شَكَرَ أَوْ كَفَرَ.
وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ وَلَمْ يُجِزْهُ الْبَصْرِيُّونَ، إِذْ لَا تَدْخُلُ (إِنْ) لِلْجَزَاءِ عَلَى الْأَسْمَاءِ إِلَّا أَنْ يُضْمَرَ بَعْدَهَا فِعْلٌ.
وَقِيلَ: أَيْ هَدَيْنَاهُ الرُّشْدَ، أَيْ بَيَّنَّا لَهُ سَبِيلَ التَّوْحِيدِ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ خَلَقْنَا لَهُ الْهِدَايَةَ اهْتَدَى وَآمَنَ، وَإِنْ خَذَلْنَاهُ كَفَرَ.
وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: قَدْ نَصَحْتُ لَكَ، إِنْ شِئْتَ فَاقْبَلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْ، أَيْ فَإِنْ شِئْتَ، فَتُحْذَفُ الْفَاءُ.
وَكَذَا إِمَّا شاكِرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُقَالُ: هَدَيْتُهُ السَّبِيلَ وَلِلسَّبِيلِ وَإِلَى السَّبِيلِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي (الْفَاتِحَةِ) وَغَيْرِهَا.
وَجَمَعَ بَيْنَ الشَّاكِرِ وَالْكَفُورِ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الشَّكُورِ وَالْكَفُورِ مَعَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ، نَفْيًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الشُّكْرِ وَإِثْبَاتًا لَهَا فِي الْكُفْرِ، لِأَنَّ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُؤَدَّى، فَانْتَفَتْ عَنْهُ الْمُبَالَغَةُ، وَلَمْ تَنْتَفِ عَنِ الْكُفْرِ الْمُبَالَغَةُ، فَقَلَّ شُكْرُهُ، لِكَثْرَةِ النِّعَمِ عَلَيْهِ وَكَثْرَةِ كُفْرِهِ وَإِنْ قَلَّ مَعَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.
حكاه الماوردي.