فهرس الكتاب

الصفحة 1308 من 1768

(وَالصَّافَّاتِ) قَسَمٌ، الْوَاوُ بَدَلٌ مِنَ الْبَاءِ.

والمعنى برب الصافات و (فَالزَّاجِراتِ) عَطْفٌ عَلَيْهِ. (إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ) جَوَابُ الْقَسَمِ.

وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ فَتْحَ إِنَّ فِي الْقَسَمِ.

وَالْمُرَادُ بِ (الصَّافَّاتِ) وَمَا بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: (فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا) الْمَلَائِكَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.

تُصَفُّ فِي السَّمَاءِ كَصُفُوفِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا لِلصَّلَاةِ.

وَقِيلَ: تَصُفُّ أَجْنِحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ وَاقِفَةً فِيهِ حَتَّى يَأْمُرَهَا اللَّهُ بِمَا يُرِيدُ.

وَهَذَا كَمَا تَقُومُ الْعَبِيدُ بَيْنَ أَيْدِي مُلُوكِهِمْ صُفُوفًا.

وَقَالَ الْحَسَنُ: (صَفًّا) لِصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ.

وَقِيلَ: هِيَ الطَّيْرُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ

تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ) [الملك: 19] .

وَالصَّفُّ تَرْتِيبُ الْجَمْعِ عَلَى خَطٍّ كَالصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ.

(والصَّافَّاتِ) جَمْعُ الْجَمْعِ، يُقَالُ: جَمَاعَةٌ صَافَّةٌ ثُمَّ يُجْمَعُ صَافَّاتٍ.

وَقِيلَ: الصَّافَّاتُ جَمَاعَةُ النَّاسِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا قَامُوا صَفًّا فِي الصَّلَاةِ أَوْ في الجهاد، ذكره القشيري. (فَالزَّاجِراتِ) الْمَلَائِكَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

إِمَّا لِأَنَّهَا تَزْجُرُ السَّحَابَ وَتَسُوقُهُ فِي قَوْلِ السُّدِّيِّ.

وَإِمَّا لِأَنَّهَا تَزْجُرُ عَنِ الْمَعَاصِي بِالْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ زَوَاجِرُ الْقُرْآنِ. (فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا) الْمَلَائِكَةُ تقرأ كتاب الله تعالى، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ جِبْرِيلُ وَحْدَهُ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ كَبِيرُ الْمَلَائِكَةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ جُنُودٍ وَأَتْبَاعٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ كُلُّ مَنْ تَلَا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَكُتُبَهُ.

وَقِيلَ: هِيَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَصَفَهَا بِالتِّلَاوَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) [النمل: 76] .

وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِآيَاتِ الْقُرْآنِ تَالِيَاتٌ، لِأَنَّ بَعْضَ الْحُرُوفِ يَتْبَعُ بَعْضًا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ.

وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّالِيَاتِ الْأَنْبِيَاءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلَى أُمَمِهِمْ.

«فَإِنْ قِيلَ» : مَا حُكْمُ الْفَاءِ إِذَا جَاءَتْ عَاطِفَةً فِي الصِّفَاتِ؟

قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى تَرَتُّبِ مَعَانِيهَا فِي الوجود، كقوله:

يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّ ... ابِحِ فَالْغَانِمِ فَالْآيِبِ

كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ.

وَإِمَّا عَلَى تَرَتُّبِهَا فِي التَّفَاوُتِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ كَقَوْلِكَ: خُذِ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ، وَاعْمَلِ الْأَحْسَنَ فَالْأَجْمَلَ.

وَإِمَّا عَلَى تَرَتُّبِ مَوْصُوفَاتِهَا فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ فَالْمُقَصِّرِينَ.

فَعَلَى هَذِهِ الْقَوَانِينِ الثَّلَاثَةِ يَنْسَاقُ أَمْرُ الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ فِي الصِّفَاتِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. (إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ) جَوَابُ الْقَسَمِ.

قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ بِمَكَّةَ قَالُوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا، وَكَيْفَ يَسَعُ هَذَا الْخَلْقَ فَرْدُ إِلَهٍ! فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ تشريفا.

وَنَزَلَتِ الْآيَةُ.

قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ: وَهُوَ وَقْفٌ حسن، ثم تبتدى (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) عَلَى مَعْنَى هُوَ رَبُّ السماوات.

النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)

خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ (وَاحِدٍ) .

قُلْتُ: وَعَلَى هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ لَا يُوقَفُ عَلَى (لواحد) .

وحكى الأخفش: (رب السماوات وَرَبَّ الْمَشَارِقِ) بِالنَّصْبِ عَلَى النَّعْتِ لِاسْمِ إِنَّ.

بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَعْنَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهُ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ بِأَنَّهُ (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ خَالِقُهُمَا وَمَالِكُهُمَا (وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ) أَيْ مَالِكُ مَطَالِعِ الشَّمْسِ.

ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلشَّمْسِ كُلُّ يَوْمٍ مَشْرِقٌ وَمَغْرِبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لِلشَّمْسِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ كُوَّةً فِي مَطْلِعِهَا، وَمِثْلَهَا فِي مَغْرِبِهَا عَلَى عَدَدِ أَيَّامِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، تَطْلُعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي كُوَّةٍ مِنْهَا، وَتَغِيبُ فِي كُوَّةٍ، لَا تَطْلُعُ فِي تِلْكَ الْكُوَّةِ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ.

وَلَا تَطْلُعُ إِلَّا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَتَقُولُ: رَبِّ لَا تُطْلِعْنِي عَلَى عِبَادِكَ فَإِنِّي أَرَاهُمْ يَعْصُونَكَ.

ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ في كتاب الر د عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ (آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ) قَالَ: هُوَ حَقٌّ فَمَا أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قول:

والشمس تطلع كل آخر ليلة ... وحمراء يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ

لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ لَهُمْ فِي رسلها ... وإلا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ

مَا بَالُ الشَّمْسِ تُجْلَدُ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ حَتَّى يَنْخُسَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَيَقُولُونَ لَهَا اطْلُعِي اطْلُعِي، فَتَقُولُ لَا أَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَنِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَأْتِيهَا مَلَكٌ فَيَسْتَقِلُّ لِضِيَاءِ بَنِي آدَمَ، فَيَأْتِيهَا شَيْطَانٌ يُرِيدُ أن يصدها عن الطلوع فتطلع بَيْنَ قَرْنَيْهِ فَيُحْرِقُهُ اللَّهُ تَعَالَى تَحْتَهَا، فَذَلِكَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا طَلَعَتْ إِلَّا بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَلَا غَرَبَتْ إِلَّا بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَمَا غَرَبَتْ قَطُّ إِلَّا خَرَّتْ لِلَّهِ سَاجِدَةً فَيَأْتِيهَا شَيْطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ السُّجُودِ فَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ فَيُحْرِقُهُ اللَّهُ تَعَالَى تَحْتَهَا) لَفْظُ ابْنِ الأنباري.

وذكر عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي هَذَا الشِّعْرِ:

زُحَلٌ وثور تحت رجل يمينه ... ووالنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ

وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ ليلة ... وحمراء يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ

لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ لَهُمْ فِي رسلها ... وإلا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ

قَالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَا مَوْلَايَ أَتُجْلَدُ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا اضْطَرَّهُ الرَّوِيُّ إِلَى الْجَلْدِ لَكِنَّهَا تَخَافُ الْعِقَابَ.

وَدَلَّ بِذِكْرِ الْمَطَالِعِ عَلَى الْمَغَارِبِ، فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرِ الْمَغَارِبَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل: 81] .

وَخَصَّ الْمَشَارِقَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ الشُّرُوقَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.

وَقَالَ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) [الرحمن: 17] أَرَادَ بِالْمَشْرِقَيْنِ أَقْصَى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنْهُ الشَّمْسُ فِي الْأَيَّامِ الطِّوَالِ، وَأَقْصَرَ يَوْمٍ فِي الْأَيَّامِ الْقِصَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي (يس) وَاللَّهُ أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت