فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)

قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: مُتَّبِعُو الْمُتَشَابِهِ لَا يَخْلُو أَنْ يَتَّبِعُوهُ ويجمعوه طلبا للتشكيك فِي الْقُرْآنِ وَإِضْلَالِ الْعَوَامِّ، كَمَا فَعَلَتْهُ الزَّنَادِقَةُ وَالْقَرَامِطَةُ الطَّاعِنُونَ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ طَلَبًا لِاعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهِ، كَمَا فَعَلَتْهُ الْمُجَسِّمَةُ الَّذِينَ جَمَعُوا مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا ظَاهِرُهُ الْجِسْمِيَّةُ حَتَّى اعْتَقَدُوا أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى جِسْمٌ مُجَسَّمٌ وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وَجَنْبٍ وَرِجْلٍ وَأُصْبُعٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ يَتَّبِعُوهُ عَلَى جِهَةِ إِبْدَاءِ تَأْوِيلَاتِهَا وَإِيضَاحِ مَعَانِيهَا، أَوْ كَمَا فَعَلَ صَبِيغٌ حِينَ أَكْثَرَ عَلَى عُمَرَ فِيهِ السُّؤَالَ.

فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ - لَا شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمُ الْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ.

الثَّانِي: الصَّحِيحُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِمْ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ، وَيُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا كَمَا يُفْعَلُ بِمَنِ ارْتَدَّ.

الثَّالِثُ - اختلفوا في جواز ذلك بناء عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ تَأْوِيلِهَا.

وَقَدْ عُرِفَ، أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِتَأْوِيلِهَا مَعَ قَطْعِهِمْ بِاسْتِحَالَةِ ظَوَاهِرِهَا، فَيَقُولُونَ أَمِرُوهَا كَمَا جَاءَتْ.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى إِبْدَاءِ تَأْوِيلَاتِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى مَا يَصِحُّ حَمْلُهُ فِي اللِّسَانِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِتَعْيِينِ مُجْمَلٍ مِنْهَا.

الرَّابِعُ - الْحُكْمُ فِيهِ الْأَدَبُ الْبَلِيغُ، كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ بِصَبِيغٍ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَقَدْ كَانَ الْأَئِمَّةُ مِنَ السَّلَفِ يُعَاقِبُونَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ تَفْسِيرِ الْحُرُوفِ الْمُشْكِلَاتِ فِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّ السَّائِلَ إِنْ كَانَ يَبْغِي بِسُؤَالِهِ تَخْلِيدَ الْبِدْعَةِ وَإِثَارَةَ الْفِتْنَةِ فَهُوَ حَقِيقٌ بِالنَّكِيرِ وَأَعْظَمِ التَّعْزِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَقْصِدَهُ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْعَتْبَ بِمَا اجْتَرَمَ مِنَ الذَّنْبِ، إِذْ أَوْجَدَ لِلْمُنَافِقِينَ الْمُلْحِدِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَبِيلًا إِلَى أَنْ يَقْصِدُوا ضَعَفَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشْكِيكِ وَالتَّضْلِيلِ فِي تَحْرِيفِ الْقُرْآنِ عَنْ مَنَاهِجِ التَّنْزِيلِ وَحَقَائِقِ التَّأْوِيلِ.

فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يسار أن صبيغ بن عسل

قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَعَنْ أَشْيَاءَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَأَحْضَرَهُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ مِنْ عَرَاجِينِ النَّخْلِ.

فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ.

فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِعُرْجُونٍ فَشَجَّهُ، ثُمَّ تَابَعَ ضَرْبَهُ حَتَّى سَالَ دَمُهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ وَاللَّهِ ذَهَبَ مَا كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي.

وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي أَدَبِهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي (الذَّارِيَاتِ) .

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُ التَّوْبَةَ وَقَذَفَهَا فِي قَلْبِهِ فَتَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.

وَمَعْنَى (ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) طَلَبُ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يُفْسِدُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيَرُدُّوا النَّاسَ إِلَى زَيْغِهِمْ.

وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى (ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وَإِحْيَائِهِمْ، فَأَعْلَمَ الله عز وجل أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ وَوَقْتَهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.

قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أَيْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْعَذَابِ (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) أي تركوه (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) أَيْ قَدْ رَأَيْنَا تَأْوِيلَ مَا أَنْبَأَتْنَا بِهِ الرُّسُلُ.

قَالَ: فَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) أَيْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَتَى الْبَعْثُ إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت