وَمَعْنَى: (بارِزُونَ) خَارِجُونَ من قبورهم لا يسترهم شيء، لِأَنَّ
الْأَرْضَ يَوْمَئِذٍ قَاعٌ صَفْصَفٌ لَا عِوَجَ فِيهَا وَلَا أَمْتًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي (طَه) بَيَانُهُ.
(لَا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ قِيلَ: إِنَّ هَذَا هُوَ الْعَامِلُ فِي(يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ) أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شيء مِنْهُمْ وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ (يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ) .
(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) وَذَلِكَ عِنْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ السَّائِلُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُجِيبُ، لِأَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ حِينَ لَا أَحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ فَيَقُولُ: (لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) .
النَّحَّاسُ: وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ مَا رَوَاهُ أَبُو وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ مِثْلَ الْفِضَّةِ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَيْهَا، فَيُؤْمَرُ مُنَادٍ يُنَادِي (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فَيَقُولُ الْعِبَادُ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ (لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ هَذَا الْجَوَابَ سُرُورًا وَتَلَذُّذًا، وَيَقُولُهُ الْكَافِرُونَ غَمًّا وَانْقِيَادًا وَخُضُوعًا.
فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا وَالْخَلْقُ غَيْرُ مَوْجُودِينَ فَبَعِيدٌ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَالْقَوْلُ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُؤْخَذُ بالقياس ولا بالتأويل.
قُلْتُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ جِدًّا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِظْهَارُ انْفِرَادِهِ تَعَالَى بِالْمُلْكِ عِنْدَ انْقِطَاعِ دَعَاوَى الْمُدَّعِينَ وَانْتِسَابِ الْمُنْتَسِبِينَ، إِذْ قَدْ ذَهَبَ كُلُّ مَلِكٍ وَمُلْكُهُ وَمُتَكَبِّرٍ وَمُلْكُهُ وَانْقَطَعَتْ نِسَبُهُمْ وَدَعَاوِيهِمْ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ الْحَقُّ عِنْدَ قَبْضِ الْأَرْضِ وَالْأَرْوَاحِ وَطَيِّ السَّمَاءِ: (أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرْضَ بِشِمَالِهِ وَالسماوات بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ.
وَعَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) هُوَ انْقِطَاعُ زَمَنِ الدُّنْيَا وَبَعْدَهُ يَكُونُ الْبَعْثُ وَالنَّشْرُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) يكون بين النفختين حين فني الخلق وَبَقِيَ الْخَالِقُ فَلَا يَرَى غَيْرَ نَفْسِهِ مَالِكًا وَلَا مَمْلُوكًا فَيَقُولُ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، لِأَنَّ الْخَلْقَ أَمْوَاتٌ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: (لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) لِأَنَّهُ بَقِيَ وَحْدَهُ وَقَهَرَ خَلْقَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ فَيَقُولُ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فَيُجِيبُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: (لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.