(ثم) لَيْسَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْتِيبِ وَإِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلَامٍ هِيَ مِنْهَا مُنْقَطِعَةٌ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُخَاطَبُ بِالْآيَةِ جُمْلَةُ الْأُمَّةِ، وَالْمُرَادُ بِ (النَّاسِ) إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا قَالَ: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ) [آل عمران: 173] وَهُوَ يُرِيدُ وَاحِدًا.
وَيُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا أَنْ يُؤْمَرُوا بِالْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِفَاضَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الَّتِي مِنْ الْمُزْدَلِفَةَ، فَتَجِيءُ (ثُمَّ) عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ عَلَى بَابِهَا، وَعَلَى هذا الاحتمال عول الطبري.
والمعنى: أفيضوا من حيت أَفَاضَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ جَمْعٍ، أَيْ ثُمَّ أَفِيضُوا إِلَى مِنًى لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ.
قُلْتُ: وَيَكُونُ فِي هَذَا حُجَّةً لِمَنْ أَوْجَبَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، لِلْأَمْرِ بِالْإِفَاضَةِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهَا وَهُمُ الْحُمْسُ يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَقُولُونَ: نَحْنُ قَطِينُ اللَّهِ، وَكَانَ مَنْ سِوَاهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ)
أَمَرَ تَعَالَى بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّهَا مَوَاطِنُهُ، وَمَظَانُّ الْقَبُولِ وَمَسَاقِطُ الرَّحْمَةِ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْمَعْنَى وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ مِنْ فِعْلِكُمُ الَّذِي كَانَ مُخَالِفًا لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ فِي وُقُوفِكُمْ بِقُزَحٍ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ.