قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ)
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٍ: شَغَلَهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى.
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ
(إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ) قَالَ: شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ.
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَيْنَمَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَهْلِهِ إِذْ قِيلَ لَهُ تَحَوَّلْ إِلَى أَهْلِكَ فَيَقُولُ أَنَا مَعَ أَهْلِي مَشْغُولٌ، فَيُقَالُ تَحَوَّلْ أَيْضًا إِلَى أَهْلِكَ.
وَقِيلَ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فِي شُغُلٍ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالنَّعِيمِ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغيره.
وَقَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي فِي السَّمَاعِ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: (فِي شُغُلٍ) أَيْ فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ؟ فَيَقُومُونَ كَأَنَّمَا وُجُوهُهُمُ البدر والكو كب الدُّرِّيُّ، رُكْبَانًا عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُورٍ أَزِمَّتُهَا مِنَ الْيَاقُوتِ، تَطِيرُ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ، أَنَا اصْطَفَيْتُكُمْ وَأَنَا أَجْتَبَيْتُكُمْ وَأَنَا اخْتَرْتُكُمْ، اذْهَبُوا فَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَ (لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) [الزخرف: 68] (فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَتُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْخَلْقَ فِي الْمَحْشَرِ مَوْقُوفُونَ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَذَلِكَ حِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُنَادِي مُنَادٍ (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ) .
(فاكِهُونَ) قَالَ الْحَسَنُ: مَسْرُورُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرِحُونَ.
مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ.
السُّدِّيُّ: نَاعِمُونَ.
وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.
وَالْفُكَاهَةُ الْمِزَاحُ وَالْكَلَامُ الطَّيِّبُ.