فهرس الكتاب

الصفحة 1292 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا)

وَ (أنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنَى كَرَاهَةَ أَنْ تَزُولَا، أَوْ لِئَلَّا تَزُولَا، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يَمْنَعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا، فَلَا حَاجَةَ عَلَى هَذَا إِلَى إِضْمَارٍ، وَهَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ.

(وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ وَلَوْ زَالَتَا مَا أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ.

وَ (إِنَّ) بِمَعْنَى مَا.

قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) [الروم: 51] .

وقيل: المراد زوالهما يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْعِلْمَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا الَّذِي أَصَبْتَ مِنْ كَعْبٍ؟ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبًا يَقُولُ: إِنَّ السَّمَاءَ تَدُورُ عَلَى قُطْبٍ مِثْلِ قُطْبِ الرَّحَى، فِي عَمُودٍ عَلَى مَنْكِبِ مَلَكٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَدِدْتُ أَنَّكَ انْقَلَبْتَ بِرَاحِلَتِكَ وَرَحْلِهَا، كَذَبَ كَعْبٌ، مَا تَرَكَ يَهُودِيَّتَهُ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا)

إِنَّ السَّمَاوَاتِ لَا تَدُورُ، وَلَوْ كَانَتْ تَدُورُ لَكَانَتْ قَدْ زَالَتْ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ مُقْبِلٍ مِنَ الشَّامِ: مَنْ لَقِيَتَ بِهِ؟ قَالَ كَعْبًا.

قَالَ: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ السَّمَاوَاتِ عَلَى منكب ملك.

فال: كَذَبَ كَعْبٌ، أَمَا تَرَكَ يَهُودِيَّتَهُ بَعْدُ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ:

(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا)

وَالسَّمَاوَاتُ سَبْعٌ وَالْأَرَضُونَ سَبْعٌ، وَلَكِنْ لَمَّا ذَكَرَهُمَا أَجْرَاهُمَا مَجْرَى شَيْئَيْنِ، فَعَادَتِ الْكِنَايَةُ إِلَيْهِمَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما) [الأنبياء: 30]

ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا مِنْ كُفْرِ الْكَافِرِينَ، وَقَوْلِهِمُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، كَادَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَنْ تَزُولَا عَنْ أَمْكِنَتِهِمَا، فَمَنَعَهُمَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ فِيهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

(لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) [مريم: 90 - 89] الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت