فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، الْمَعْنَى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَغَيْرُ مُتَجَاوِرَاتٍ، كَمَا قَالَ: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) وَالْمَعْنَى: وَتَقِيكُمُ الْبَرْدَ، ثُمَّ حَذَفَ لِعِلْمِ السَّامِعِ.

وَالْمُتَجَاوِرَاتُ الْمُدُنُ وَمَا كَانَ عَامِرًا، وَغَيْرُ مُتَجَاوِرَاتٍ الصَّحَارِي وَمَا كَانَ غَيْرَ عَامِرٍ.

* قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَجاوِراتٌ) أَيْ قُرًى مُتَدَانِيَاتٌ، تُرَابُهَا وَاحِدٌ، وَمَاؤُهَا وَاحِدٌ، وَفِيهَا زُرُوعٌ وَجَنَّاتٌ، ثُمَّ تَتَفَاوَتُ فِي الثِّمَارِ وَالتَّمْرِ، فَيَكُونُ الْبَعْضُ حُلْوًا، وَالْبَعْضُ حَامِضًا، وَالْغُصْنُ الْوَاحِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ قَدْ يَخْتَلِفُ الثَّمَرُ فِيهِ مِنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَاللَّوْنِ وَالْمَطْعَمِ، وَإِنِ انْبَسَطَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ عَلَى الْجَمِيعِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَفِي هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَعِظَمِ صَمَدِيَّتِهِ، وَالْإِرْشَادُ لِمَنْ ضَلَّ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَإِنَّهُ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَنَّهُ مَقْدُورٌ بِقُدْرَتِهِ، وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالطَّبْعِ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْفَاعِلُ لَهُ الطَّبِيعَةُ لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ.

وَقِيلَ: وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ أَنَّهُ أَثْبَتَ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْبِقَاعِ، فَمِنْ تُرْبَةٍ عَذْبَةٍ، وَمِنْ تُرْبَةٍ سَبِخَةٍ مَعَ تَجَاوُرِهِمَا، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ دَلَالَاتِ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، جَلَّ وَعَزَّ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ علوا كبيرا.

* قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ) كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ، أَبُوهُمْ وَاحِدٌ، قَالَهُ النَّحَّاسُ وَالْبُخَارِيُّ.

وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ: (يُسْقى) بِالْيَاءِ، أَيْ يُسْقَى ذَلِكَ كُلُّهُ.

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ: (جَنَّاتٌ) وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، قال أبو عمرو: والتأنيث أحسن، لقوله: (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) وَلَمْ يَقُلْ بَعْضَهُ.

وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا (وَيُفَضِّلُ) بالياء ردا على قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) و (يُفَصِّلُ) و (يُغْشِي) الْبَاقُونَ بِالنُّونِ عَلَى مَعْنَى: وَنَحْنُ نُفَضِّلُ.

وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (النَّاسُ مِنْ شَجَرٍ شَتَّى وَأَنَا وَأَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ) ثُمَّ قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ) وَ (الْأُكُلِ) الثَّمَرُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْحُلْوَ وَالْحَامِضَ وَالْفَارِسِيَّ وَالدَّقَلَ.

وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في قول تَعَالَى: (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) قَالَ: (الْفَارِسِيُّ وَالدَّقَلُ وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمَثَلُ، ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِبَنِي آدَمَ، أَصْلُهُمْ وَاحِدٌ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، كَاخْتِلَافِ الثِّمَارِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

النَّاسُ كَالنَّبْتِ وَالنَّبْتُ أَلْوَانْ ... مِنْهَا شَجَرُ الصندل والكافور والبان

ومنها شجر ينضج طُولَ الدَّهْرِ قَطْرَانْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت