قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَقاهُمُ اللَّهُ)
أَيْ دَفَعَ عَنْهُمْ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ أَيْ بَأْسَهُ وَشِدَّتَهُ وَعَذَابَهُ وَلَقَّاهُمْ أَيْ أَتَاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ حِينَ لَقَوْهُ أَيْ رَأَوْهُ نَضْرَةً أَيْ حُسْنًا وَسُرُورًا أَيْ حُبُورًا.
قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدُ: نَضْرَةً فِي وُجُوهِهِمْ وَسُرُورًا فِي قُلُوبِهِمْ.
وَفِي النَّضْرَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا الْبَيَاضُ وَالنَّقَاءُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ.
الثَّانِي الْحُسْنُ وَالْبَهَاءُ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثَّالِثُ أَنَّهَا أَثَرُ النعمة، قاله ابن زيد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا) عَلَى الْفَقْرِ.
وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: عَلَى الصَّوْمِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: عَلَى الْجُوعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهِيَ أَيَّامُ النَّذْرِ.
وَقِيلَ: بِصَبْرِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَبْرِهِمْ عَلَى مَعْصِيَةِ الله ومحارمه.
وبِما: مَصْدَرِيَّةٌ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْأَبْرَارِ وَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا حَسَنًا.
وَرَوَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الصَّبْرِ فَقَالَ: (الصَّبْرُ أَرْبَعَةٌ: أَوَّلُهَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَالصَّبْرُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَالصَّبْرُ عَلَى اجْتِنَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ) .
(جَنَّةً وَحَرِيرًا)
أَيْ أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير.
أي يسمى بِحَرِيرِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي الْآخِرَةِ وَفِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْفَضْلِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُلْبِسَهُ مَنْ أُلْبِسَهُ فِي الْجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ حَبْسِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَنِ الْمَلَابِسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ فِيها)
أَيْ فِي الْجَنَّةِ، وَنَصْبُ مُتَّكِئِينَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي جَزاهُمْ وَالْعَامِلُ فِيهَا جَزَى وَلَا يَعْمَلُ فِيهَا صَبَرُوا، لِأَنَّ الصَّبْرَ إِنَّمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا وَالِاتِّكَاءُ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مُتَّكِئِينَ تَابِعًا، كَأَنَّهُ قَالَ جَزَاهُمْ جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها.
(عَلَى الْأَرائِكِ)
السُّرُرِ فِي الْحِجَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَجَاءَتْ عَنِ الْعَرَبِ أَسْمَاءٌ تَحْتَوِي عَلَى صِفَاتٍ: أَحَدُهَا الْأَرِيكَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي حَجَلَةٍ عَلَى سَرِيرٍ، وَمِنْهَا السَّجْلُ، وَهُوَ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئُ مَاءً، فَإِذَا صَفِرَتْ لَمْ تُسَمَّ سَجْلًا، وَكَذَلِكَ الذَّنُوبُ لَا تُسَمَّى ذَنُوبًا حَتَّى تُمْلَأَ، وَالْكَأْسُ لَا تُسَمَّى كَأْسًا حَتَّى تُتْرَعَ مِنَ الْخَمْرِ.
وَكَذَلِكَ الطَّبَقُ الَّذِي تُهْدَى عَلَيْهِ الْهَدِيَّةُ مِهْدًى، فَإِذَا كَانَ فَارِغًا قِيلَ طَبَقٌ أَوْ خِوَانٌ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
خُدُودٌ جَفَتْ فِي السَّيْرِ حَتَّى كَأَنَّمَا ... يُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزَاءِ مَسَّ الْأَرَائِكِ
أَيِ الْفُرُشَ عَلَى السُّرُرِ.
(لَا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا)
أَيْ لَا يَرَوْنَ فِي الْجَنَّةِ شِدَّةَ حَرٍّ كَحَرِّ الشَّمْسِ وَلا زَمْهَرِيرًا أَيْ وَلَا بَرْدًا مُفْرِطًا، قَالَ الْأَعْشَى:
مُنَعَّمَةٌ طَفْلَةٌ كَالْمَهَا ... ةِ لَمْ تَرَ شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرَا
وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ قَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ نَفَسًا فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسًا فِي الصَّيْفِ، فَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا، وَشِدَّةُ ما تجدون من الحر في الصيف
مِنْ سَمُومِهَا).
وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ هَوَاءَ الْجَنَّةِ سَجْسَجٌ: لَا حَرٌ وَلَا بَرْدٌ)
وَالسَّجْسَجُ: الظِّلُّ الْمُمْتَدُّ كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَقَالَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ: الزَّمْهَرِيرُ الْبَرْدُ الْقَاطِعُ.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بن حيان: هو شيء مثل رءوس الْإِبَرِ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي غَايَةِ الْبَرْدِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ لَوْنٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَهُوَ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ النَّارِ إِذَا أُلْقُوا فِيهِ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِالنَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ الزَّمْهَرِيرِ يَوْمًا وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
أَوْ كُنْتُ رِيحًا كُنْتُ زَمْهَرِيرًا
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: الْقَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قَالَ شَاعِرُهُمْ:
وَلَيْلَةٍ ظَلَامُهَا قَدِ اعْتَكَرْ ... قَطَعْتُهَا وَالزَّمْهَرِيرُ مَا زَهَرْ
وَيُرْوَى: مَا ظَهَرَ، أَيْ لَمْ يَطْلُعِ الْقَمَرُ.
فَالْمَعْنَى لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا كَشَمْسِ الدُّنْيَا وَلَا قَمَرًا كَقَمَرِ الدُّنْيَا، أَيْ إِنَّهُمْ فِي ضِيَاءٍ مُسْتَدِيمٍ، لَا لَيْلَ فِيهِ وَلَا نَهَارَ، لِأَنَّ ضَوْءَ النَّهَارِ بِالشَّمْسِ، وَضَوْءَ اللَّيْلِ بِالْقَمَرِ.
وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي سُورَةِ (مَرْيَمَ) عِنْدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 62] .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنَمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ إِذْ رَأَوْا نُورًا ظَنُّوهُ شَمْسًا قَدْ أَشْرَقَتْ بِذَلِكَ النُّورِ الْجَنَّةُ، فَيَقُولُونَ: قَالَ رَبُّنَا: لَا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا فَمَا هَذَا النُّورُ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ رِضْوَانٌ: لَيْسَتْ هَذِهِ شمس ولا قمر، وَلَكِنْ هَذِهِ فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ ضَحِكَا، فَأَشْرَقَتِ الْجِنَانُ مِنْ نُورِ ضَحِكِهِمَا، وَفِيهِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ) وَأَنْشَدَ:
أَنَا مَوْلًى لِفَتَى ... أُنْزِلَ فِيهِ هَلْ أَتَى
ذَاكَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى ... وَابْنُ عَمِّ الْمُصْطَفَى