قوله تعالى: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)
(مَا) نَفْيٌ، وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ بِالسِّحْرِ، فَنَفَى اللَّهُ ذَلِكَ.
وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، التَّقْدِيرُ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَهَارُوتُ وَمَارُوتُ بَدَلٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ فِي قَوْلِهِ: (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) .
هَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهَا وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى سِوَاهُ، فَالسِّحْرُ مِنَ اسْتِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ لِلَطَافَةِ جَوْهَرِهِمْ، وَدِقَّةِ أَفْهَامِهِمْ، وَأَكْثَرُ مَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْإِنْسِ النِّسَاءُ وَخَاصَّةً فِي حَالِ طَمْثِهِنَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) .
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَعُوَذُ بِرَبِّي مِنَ النَّافِثَا ... تَ
«إِنْ قَالَ قَائِلٌ» : كَيْفَ يَكُونُ اثْنَانِ بَدَلًا مِنْ جَمْعٍ وَالْبَدَلُ إِنَّمَا يكون على حد المبدل منه،
فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاثْنَيْنِ قد يطلق عليهما اسم
الْجَمْعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) وَلَا يَحْجُبُهَا عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلَّا اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي (النِّسَاءِ) .
الثَّانِي: أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا الرَّأْسَ فِي التَّعْلِيمِ نَصَّ عَلَيْهِمَا دُونَ أَتْبَاعِهِمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) .
الثَّالِثُ: إِنَّمَا خُصَّا بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِهِمْ لِتَمَرُّدِهِمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) وَقَوْلُهُ: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) .
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَقَدْ يُنَصُّ بِالذِّكْرِ عَلَى بَعْضِ أَشْخَاصِ الْعُمُومِ إِمَّا لِشَرَفِهِ وَإِمَّا لِفَضْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ) وَقَوْلِهِ: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) ، وَإِمَّا لِطِيبِهِ كَقَوْلِهِ: (فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) ، وَإِمَّا لِأَكْثَرِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا) ، وَإِمَّا لِتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ (مَا) عَطْفٌ عَلَى السِّحْرِ وَهِيَ مَفْعُولَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ (مَا) بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَكُونُ السِّحْرُ مُنَزَّلًا عَلَى الْمَلَكَيْنِ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَامْتِحَانًا، وَلِلَّهِ أَنْ يَمْتَحِنَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ، كَمَا امْتَحَنَ بِنَهَرِ طَالُوتَ، وَلِهَذَا يَقُولُ الْمَلَكَانِ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ، أَيْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ، نُخْبِرُكَ أَنَّ عَمَلَ السَّاحِرِ كُفْرٌ فَإِنْ أَطَعْتَنَا نَجَوْتَ، وَإِنْ عَصَيْتَنَا هَلَكْتَ.