فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 1768

(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(31)

قَالَ الْفَرَّاءُ قَالَ الْكَلْبِيُّ: (يَيْأَسِ) بِمَعْنَى يَعْلَمْ، لُغَةُ النَّخَعِ، وَحَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمُوا، وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصحاح.

وَقِيلَ: هُوَ لُغَةُ هَوَازِنَ، أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفَلَمْ يَعْلَمُوا وَيَتَبَيَّنُوا، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِمَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ:

أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إِذْ يَيْسِرُونَنِي ... أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ

يَيْسِرُونَنِي مِنَ الْمَيْسَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي (الْبَقَرَةِ) وَيُرْوَى يَأْسِرُونَنِي مِنَ الْأَسْرِ.

وقال رباح بن عدي:

ألم ييأس الْأَقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابْنُهُ ... وَإِنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ الْعَشِيرَةِ نَائِيَا

فِي كِتَابِ الرَّدِّ (أَنِّي أَنَا ابْنُهُ) وَكَذَا ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيُّ: أَلَمْ يَعْلَمْ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: أَفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَاهِدُوا الْآيَاتِ.

وَقِيلَ: هُوَ من اليأس المعروف، أي أفلم ييأس الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ هِدَايَتَهُمْ لَهَدَاهُمْ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ الْآيَاتِ طَمَعًا فِي إِيمَانِ الْكُفَّارِ.

وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ: (أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا) مِنَ الْبَيَانِ.

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وقيل لابن عباس المكتوب (أَفَلَمْ يَيْأَسِ) قَالَ: أَظُنُّ الْكَاتِبَ كَتَبَهَا وَهُوَ نَاعِسٌ، أَيْ زاد بعض الحروف حتى صار (يَيْأَسِ) .

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّهُ قَرَأَ - (أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا) وَبِهَا احْتَجَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الصَّوَابُ فِي التِّلَاوَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَنِ بن عَبَّاسٍ، لِأَنَّ مُجَاهِدًا وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ حَكَيَا الْحَرْفَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى مَا هُوَ فِي الْمُصْحَفِ بِقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَرِوَايَتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ إِنَّ مَعْنَاهُ: أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ اللَّهِ تَحْتَ اللَّفْظَةِ الَّتِي خَالَفُوا بِهَا الْإِجْمَاعَ فَقِرَاءَتُنَا تَقَعُ عَلَيْهَا، وَتَأْتِي بِتَأْوِيلِهَا، وَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ الْمَعْنَى الْآخَرَ الَّذِي الْيَأْسُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ فَقَدْ سَقَطَ مِمَّا أوردوا،

وَأَمَا سُقُوطُهُ يُبْطِلُ الْقُرْآنَ، وَلُزُومُ أَصْحَابِهِ الْبُهْتَانَ.

(أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ) (أَنَّ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أَيْ أَنَّهُ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ (لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ) أَيْ دَاهِيَةٌ تَفْجَؤُهُمْ بِكُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ، وَيُقَالُ: قَرَعَهُ أَمْرٌ إِذَا أَصَابَهُ، وَالْجَمْعُ قَوَارِعُ، وَالْأَصْلُ فِي الْقَرْعِ الضَّرْبُ، قَالَ:

أَفْنَى تِلَادِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أَفْوَاهَ الْأَبَارِيقِ

أَيْ لَا يَزَالُ الْكَافِرُونَ تُصِيبُهُمْ دَاهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِنْ صَاعِقَةٍ كَمَا أَصَابَ أَرْبَدَ أَوْ مِنْ قَتْلٍ أَوْ مِنْ أَسْرٍ أَوْ جَدْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ وَالْبَلَاءِ، كَمَا نَزَلَ بِالْمُسْتَهْزِئِينَ، وَهُمْ رُؤَسَاءُ الْمُشْرِكِينَ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقَارِعَةُ النَّكْبَةُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعِكْرِمَةُ: الْقَارِعَةُ الطَّلَائِعُ وَالسَّرَايَا الَّتِي كَانَ يُنَفِّذُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ (أَوْ تَحُلُّ) أَيِ الْقَارِعَةُ.

(قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ) قَالَهُ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْ تَحُلُّ أَنْتَ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ.

وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ بِالْمَدِينَةِ، أَيْ لَا تَزَالُ تُصِيبُهُمُ الْقَوَارِعُ فَتَنْزِلُ بِسَاحَتِهِمْ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ كَقُرَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ.

(حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) فِي فَتْحِ مَكَّةَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.

وَقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، أَيْ تُصِيبُهُمُ الْقَوَارِعُ، وَتَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ يَا مُحَمَّدُ، فَتَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ، أَوْ تَحُلُّ بِهِمْ مُحَاصِرًا لَهُمْ، وَهَذِهِ الْمُحَاصَرَةُ لِأَهْلِ الطَّائِفِ، وَلِقِلَاعِ خَيْبَرَ، وَيَأْتِي وَعْدُ اللَّهِ بِالْإِذْنِ لَكَ فِي قِتَالِهِمْ وَقَهْرِهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: وَعْدُ اللَّهِ يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت