فهرس الكتاب

الصفحة 1699 من 1768

بَيَّنَ مَنِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالْآنِيَةِ، أَيْ وَيَخْدُمُهُمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، فَإِنَّهُمْ أَخَفُّ فِي الْخِدْمَةِ.

ثُمَّ قَالَ: مُخَلَّدُونَ أَيْ بَاقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّبَابِ وَالْغَضَاضَةِ وَالْحُسْنِ، لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، وَيَكُونُونَ عَلَى سِنٍّ وَاحِدَةٍ عَلَى مَرِّ الْأَزْمِنَةِ.

وَقِيلَ: مُخَلَّدُونَ لَا يَمُوتُونَ.

وَقِيلَ: مُسَوَّرُونَ مُقَرَّطُونَ، أَيْ مُحَلَّوْنَ وَالتَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.

(إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا)

أَيْ ظَنَنْتَهُمْ مِنْ حُسْنِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ وَصَفَاءِ أَلْوَانِهِمْ: لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا فِي عَرْصَةِ الْمَجْلِسِ، وَاللُّؤْلُؤُ إِذَا نُثِرَ عَلَى بِسَاطٍ كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ مَنْظُومًا.

وَعَنِ الْمَأْمُونِ أَنَّهُ لَيْلَةَ زُفَّتْ إِلَيْهِ بُورَانُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ عَلَى بِسَاطٍ مَنْسُوجٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَقَدْ نَثَرَتْ عَلَيْهِ نِسَاءُ دَارِ الْخَلِيفَةِ اللُّؤْلُؤَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ مَنْثُورًا عَلَى ذَلِكَ الْبِسَاطِ فَاسْتَحْسَنَ الْمَنْظَرَ وَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ أَبِي نُوَاسٍ كَأَنَّهُ أَبْصَرَ هَذَا حَيْثُ يَقُولُ:

كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَقَاقِعِهَا ... حَصْبَاءُ دَرٍّ عَلَى أَرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ

وَقِيلَ: إِنَّمَا شَبَّهَهُمْ بِالْمَنْثُورِ، لِأَنَّهُمْ سِرَاعٌ فِي الْخِدْمَةِ، بِخِلَافِ الْحُورِ الْعَيْنِ إِذْ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ الْمُخْزُونِ، لِأَنَّهُنَّ لَا يُمْتَهَنَّ بِالْخِدْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا)

(ثَمَّ) ظَرْفُ مَكَانٍ أَيْ هُنَاكَ فِي الْجَنَّةِ، وَالْعَامِلُ فِي ثَمَّ مَعْنَى رَأَيْتَ أَيْ وَإِذَا رَأَيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فِي الْكَلَامِ (مَا) مُضْمَرَةٌ، أَيْ وَإِذَا رَأَيْتَ مَا ثَمَّ، كقوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: 94] أَيْ مَا بَيْنَكُمْ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: (مَا) مَوْصُولَةٌ بِ - ثَمَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ، وَلَا يَجُوزُ إِسْقَاطُ الْمَوْصُولِ وَتَرْكُ الصِّلَةِ، وَلَكِنْ رَأَيْتَ يَتَعَدَّى فِي الْمَعْنَى إِلَى ثَمَّ وَالْمَعْنَى: إِذَا رَأَيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ وَيَعْنِي بِـ ثَمَّ الْجَنَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ هَذَا أَيْضًا.

وَالنَّعِيمُ: سَائِرُ مَا يُتَنَعَّمُ بِهِ.

وَالْمُلْكُ الْكَبِيرُ: اسْتِئْذَانُ الْمَلَائِكَةِ عليهم، قاله السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِكَرَامَةٍ مِنَ الْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالتُّحَفِ إِلَى وَلِيِّ اللَّهِ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ، فَيَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ.

وَقَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ.

وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْكَبِيرُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ سَبْعُونَ حَاجِبًا، حَاجِبًا دُونَ حَاجِبٍ، فَبَيْنَمَا وَلِيُّ اللَّهِ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ إِذْ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِكِتَابٍ وَهَدِيَّةٍ وَتُحْفَةٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَرَهَا ذَلِكَ الْوَلِيُّ فِي الْجَنَّةِ قَطُّ، فَيَقُولُ لِلْحَاجِبِ الْخَارِجِ: اسْتَأْذِنْ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ فَإِنَّ مَعِي كِتَابًا وَهَدِيَّةً مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَيَقُولُ هَذَا الْحَاجِبُ لِلْحَاجِبِ الَّذِي يَلِيهِ: هَذَا رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَعَهُ كِتَابٌ وَهَدِيَّةٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ، فَيَسْتَأْذِنُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الْحَاجِبِ الَّذِي يَلِي وَلِيَّ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا وَلِيَّ اللَّهِ! هَذَا رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، مَعَهُ كِتَابٌ وَتُحْفَةٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَيُؤْذَنُ لَهُ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! فَأْذَنُوا لَهُ.

فَيَقُولُ ذَلِكَ الْحَاجِبُ الَّذِي يَلِيهِ: نَعَمْ فَأْذَنُوا لَهُ.

فَيَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلْآخَرِ كذلك حتى يبلغ الْحَاجِبَ الْآخِرَ.

فَيَقُولُ لَهُ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلَكُ، قَدْ أُذِنَ لَكَ، فَيُدْخَلُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: السَّلَامُ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَهَذِهِ تُحْفَةٌ، وَهَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَيْكَ.

فَإِذَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: مِنَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، إِلَى الْحَيِّ الَّذِي يَمُوتُ.

فَيَفْتَحُهُ فَإِذَا فِيهِ: سَلَامٌ عَلَى عَبْدِي وَوَلِيِّي وَرَحْمَتِي وَبَرَكَاتِي، يَا وَلِيِّي أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَةِ رَبِّكَ؟ فَيَسْتَخِفُّهُ الشَّوْقُ فَيَرْكَبُ الْبُرَاقَ فَيَطِيرُ بِهِ البراق شوقا إلى زيارة عَلَّامِ الْغُيُوبِ، فَيُعْطِيهِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمُلْكَ الْكَبِيرَ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 24 - 23] .

وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْكَبِيرُ كَوْنُ التِّيجَانِ عَلَى رُؤُوسِهِمْ كَمَا تَكُونُ عَلَى رَأْسِ مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ.

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: يَعْنِي مُلْكَ التَّكْوِينِ، فَإِذَا أَرَادُوا شَيْئًا قَالُوا لَهُ كُنْ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: مُلْكٌ لَا يَتَعَقَّبُهُ هُلْكٌ.

وَفِي الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَّ الْمُلْكَ الْكَبِيرَ هُوَ أَنَّ أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ) قَالَ: (وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ)

سُبْحَانَ الْمُنْعِمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت