فهرس الكتاب

الصفحة 1680 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)

أَيْ مُرْتَهَنَةٌ بِكَسْبِهَا، مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِهَا، إِمَّا خَلَّصَهَا وَإِمَّا أَوْبَقَهَا.

وَلَيْسَتْ رَهِينَةٌ تَأْنِيثَ رَهِينٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: 21] لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ، لِأَنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّفَةُ لَقِيلَ رَهِينٌ، لِأَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.

وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الرَّهْنِ كَالشَّتِيمَةِ بِمَعْنَى الشَّتْمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينٌ، وَمِنْهُ بَيْتُ الْحَمَاسَةِ:

أَبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكَبٍ ... رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرَابٍ وَجَنْدَلِ

كَأَنَّهُ قَالَ رَهْنُ رَمْسٍ.

وَالْمَعْنَى: كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِهَا عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ (إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ) فَإِنَّهُمْ لَا يُرْتَهَنُونَ بِذُنُوبِهِمْ.

وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهِمْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الملائكة.

عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكْتَسِبُوا فَيُرْتَهَنُوا بِكَسْبِهِمْ.

الضَّحَّاكُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: كُلُّ نَفْسٍ بِعَمَلِهَا مُحَاسَبَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ وَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُحَاسَبُونَ.

وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلٌ أَيْضًا: هُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ كَانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ يَوْمَ الْمِيثَاقِ حِينَ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ كَيْسَانَ: هُمُ الْمُسْلِمُونَ الْمُخْلِصُونَ لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ، لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا مَا كَانَ عَلَيْهِمْ.

وَعَنْ أَبِي ظَبْيَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمُ الْمُسْلِمُونَ.

وَقِيلَ: إِلَّا أَصْحَابَ الْحَقِّ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ.

وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: نَحْنُ وَشِيعَتُنَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وَكُلُّ مَنْ أَبْغَضَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَهُمُ الْمُرْتَهَنُونَ.

وَقَالَ الْحَكَمُ: هُمُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ، فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الرَّهْنِ، لِأَنَّهُمْ خُدَّامُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ وَكَسْبُهُمْ لَمْ يَضُرُّهُمْ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ: كُلُّ نَفْسٍ مَأْخُوذَةٌ بِكَسْبِهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، إِلَّا مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، دُونَ الْكَسْبِ وَالْخِدْمَةِ، فَكُلُّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْكَسْبِ فَهُوَ مَرْهُونٌ، وَكُلُّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْفَضْلِ فَهُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ.

فِي جَنَّاتٍ أَيْ فِي بَسَاتِينَ يَتَساءَلُونَ أَيْ يَسْأَلُونَ (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) أَيِ الْمُشْرِكِينَ مَا سَلَكَكُمْ أَيْ أَدْخَلَكُمْ فِي سَقَرَ كَمَا تَقُولُ: سَلَكْتُ الْخَيْطَ فِي كَذَا أَيْ أَدْخَلْتُهُ فِيهِ.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَيَسْأَلُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا فُلَانُ.

وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (يَا فُلَانُ مَا سَلَكَكَ فِي سَقَرَ) ؟ وَعَنْهُ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (يَا فُلَانُ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، لَا أَنَّهَا قُرْآنٌ كَمَا زَعَمَ مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآنِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ.

وَقِيلَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْأَلُونَ الْمَلَائِكَةَ عَنْ أَقْرِبَائِهِمْ، فَتَسْأَلُ الْمَلَائِكَةَ الْمُشْرِكِينَ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ.

قَالَ الْفَرَّاءُ: فِي هَذَا مَا يُقَوِّي أَنَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ الْوِلْدَانُ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.

قالُوا يَعْنِي أَهْلَ النَّارِ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ أَيِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ.

(وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أَيْ لَمْ نَكُ نَتَصَدَّقُ.

(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) أَيْ كُنَّا نُخَالِطُ أَهْلَ الْبَاطِلِ فِي بَاطِلِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - كَاهِنٌ، مَجْنُونٌ، شَاعِرٌ، سَاحِرٌ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ وَكُنَّا نُكَذِّبُ مَعَ الْمُكَذِّبِينَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوَى غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ.

وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَكُنَّا أَتْبَاعًا وَلَمْ نَكُنْ مَتْبُوعِينَ.

(وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)

أَيْ لَمْ نَكُ نُصَدِّقُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَوْمِ الْجَزَاءِ وَالْحُكْمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ)

أَيْ جَاءَنَا وَنَزَلَ بِنَا الْمَوْتُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ)

هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الشَّفَاعَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ عُذِّبُوا بِذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ شُفِّعَ فِيهِمْ، فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ بِتَوْحِيدِهِمْ وَالشَّفَاعَةِ، فَأُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ، وَلَيْسَ لِلْكُفَّارِ شَفِيعٌ يَشْفَعُ فِيهِمْ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَشْفَعُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ: جِبْرِيلُ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى، ثُمَّ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ النَّبِيُّونَ، ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ، وَيَبْقَى قَوْمٌ فِي جَهَنَّمَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ.

وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ إِلَى قَوْلِهِ: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَبْقَوْنَ فِي جَهَنَّمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي كتاب (التذكرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت