قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ)
قِيلَ: يَكُونُ (الْمُوفُونَ) عَطْفًا عَلَى (مَنْ) لِأَنَّ مَنْ فِي مَوْضِعِ جَمْعٍ وَمَحَلِّ رَفْعٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ. (وَالصَّابِرِينَ) نُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ.
وَالْعَرَبُ تَنْصِبُ عَلَى الْمَدْحِ وَعَلَى الذَّمِّ كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِفْرَادَ الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ وَلَا يُتْبِعُونَهُ أَوَّلَ الْكَلَامِ، وَيَنْصِبُونَهُ.
فَأَمَّا الْمَدْحُ فَقَوْلُهُ: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: 162] .
وَأَنْشَدَ الْكِسَائِيُّ:
وَكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ مُرْشِدِهِمْ ... إِلَّا نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا
الظَّاعِنِينَ وَلَمَّا يُظْعِنُوا أَحَدًا ... وَالْقَائِلُونَ لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا
وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
لَا يَبْعَدْنَ قَوْمِي الَّذِينَ هُمْ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ
النَّازِلِينَ بِكُلِ مُعْتَرَكٍ ... وَالطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الْأُزْرِ
وَقَالَ آخَرُ:
نَحْنُ بَنِي ضبة أصحاب الجمل
فَنُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ.
وَأَمَّا الذَّمُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا) [الأحزاب: 61] الآية.
وقال عروة ابن الْوَرْدِ:
سَقَوْنِي الْخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفُونِي ... عُدَاةُ اللَّهِ مِنْ كَذِبٍ وَزُورِ
وَهَذَا مَهْيَعٌ فِي النُّعُوتِ، لَا مَطْعَنَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْإِعْرَابِ، مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَقِيلَ: (الْمُوفُونَ) رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ وَهُمُ الْمُوفُونَ.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: (وَالصَّابِرِينَ) عُطِفٌ عَلَى (ذَوِي الْقُرْبى) كَأَنَّهُ قَالَ: وَآتَى الصَّابِرِينَ.
قَالَ النَّحَّاسُ: (وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ وَغَلَطٌ بَيِّنٌ، لِأَنَّكَ إِذَا نَصَبْتَ(وَالصَّابِرِينَ) وَنَسَّقْتَهُ عَلَى (ذَوِي الْقُرْبى) دَخَلَ فِي صِلَةِ (مَنْ) وَإِذَا رَفَعْتَ (وَالْمُوفُونَ) عَلَى أَنَّهُ نَسَقٌ عَلَى (مَنْ) فَقَدْ نَسَّقْتَ عَلَى (مَنْ) مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتِمَّ الصِّلَةُ، وَفَرَّقْتَ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِالْمَعْطُوفِ).