(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ(20)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ) أَيْ ذَكِّرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ يَوْمَ يُعْرَضُ.
(الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ)
أَيْ يُكْشَفُ الْغِطَاءُ فَيُقَرَّبُونَ مِنَ النَّارِ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا.
(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) أَيْ يُقَالُ لَهُمْ أَذْهَبْتُمْ، فَالْقَوْلُ مُضْمَرٌ.
وَمَعْنَى (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) أَيْ تَمَتَّعْتُمْ بِالطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا وَاتَّبَعْتُمُ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ، يَعْنِي الْمَعَاصِيَ. (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ) أَيْ عَذَابَ الْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ.
قَالَ مجاهد: الهون الهوان.
قتادة: بلغة قريش.
(بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
أي تستعجلون عَلَى أَهْلِهَا بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.
(وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) فِي أَفْعَالِكُمْ بَغْيًا وَظُلْمًا.
وَقِيلَ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) أَيْ أَفْنَيْتُمْ شَبَابَكُمْ فِي الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي.
قَالَ ابْنُ بَحْرٍ: الطَّيِّبَاتُ الشَّبَابُ وَالْقُوَّةُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: ذَهَبَ أَطْيَبَاهُ، أَيْ شَبَابُهُ وَقُوَّتُهُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَوَجَدْتُ الضَّحَّاكَ قَالَهُ أَيْضًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَوْ شِئْتُ كُنْتُ أَطْيَبَكُمْ طَعَامًا، وَأَلْيَنَكُمْ لِبَاسًا، وَلَكِنِّي أَسْتَبْقِي طَيِّبَاتِي لِلْآخِرَةِ.
وَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ صُنِعَ لَهُ طَعَامٌ لَمْ يَرَ قَطُّ مِثْلَهُ قَالَ: هَذَا لَنَا! فَمَا لِفُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا وَمَا شبعوا من خبز الشعير! فقال خالد ابن الْوَلِيدِ: لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا عُمَرَ بِالدُّمُوعِ وَقَالَ: لَئِنْ كَانَ حَظُّنَا مِنَ الدُّنْيَا هَذَا الْحُطَامَ، وَذَهَبُوا هُمْ فِي حَظِّهِمْ بِالْجَنَّةِ فَلَقَدْ بَايَنُونَا بَوْنًا بَعِيدًا.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَشْرُبَتِهِ حِينَ هَجَرَ نِسَاءَهُ قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أُهُبًا جُلُودًا مَعْطُونَةً قَدْ سَطَعَ رِيحُهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخِيَرَتُهُ، وَهَذَا كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ؟ قَالَ: فَاسْتَوَى جَالِسًا وقال:(أفي شك أنت يا ابن الْخَطَّابِ.
أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا)فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي! فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) .
وَقَالَ حَفْصُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: كُنْتُ أَتَغَدَّى عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، وَالْخُبْزَ وَالْخَلَّ، وَالْخُبْزَ وَاللَّبَنَ، وَالْخُبْزَ وَالْقَدِيدَ، وَأَقَلَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ الْغَرِيضَ.
وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَنْخُلُوا الدَّقِيقَ فَإِنَّهُ طَعَامٌ كله، فجيء بِخُبْزٍ مُتَفَلِّعٍ غَلِيظٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَقُولُ: كُلُوا، فَجَعَلْنَا لَا نَأْكُلُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَأْكُلُونَ؟ فَقُلْنَا: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَرْجِعُ إِلَى طَعَامٍ أَلْيَنَ مِنْ طَعَامِكَ هَذَا، فَقَالَ: يا بن أَبِي الْعَاصِ أَمَا تَرَى بِأَنِّي عَالِمٌ أَنْ لَوْ أَمَرْتُ بِعَنَاقٍ سَمِينَةٍ فَيُلْقَى عَنْهَا شَعْرُهَا ثم تخرج مصلية كأنها كذا وكذا،
أَمَا تَرَى بِأَنِّي عَالِمٌ أَنْ لَوْ أَمَرْتُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ مِنْ زَبِيبٍ فَأَجْعَلُهُ فِي سِقَاءٍ ثُمَّ أَشُنُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ فَيُصْبِحُ كَأَنَّهُ دَمُ غَزَالٍ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَجَلْ! مَا تَنْعَتُ الْعَيْشَ، قَالَ: أَجَلْ! وَاللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَنْقُصَ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَشَارَكْنَاكُمْ فِي الْعَيْشِ! وَلَكِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَقْوَامٍ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها).
(فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ)
أَيِ الْهَوَانُ.
(بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
أَيْ تَتَعَظَّمُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ.
(وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ)
تَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: اشْتَهَى أَهْلِي لَحْمًا فَاشْتَرَيْتُهُ لَهُمْ فَمَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: أو كلما اشْتَهَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا جَعَلَهُ فِي بَطْنِهِ! أَمَا يَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا عِتَابٌ مِنْهُ لَهُ عَلَى التَّوَسُّعِ بِابْتِيَاعِ اللَّحْمِ وَالْخُرُوجِ عَنْ جِلْفِ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ، فَإِنَّ تَعَاطِيَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْحَلَالِ تَسْتَشْرِهُ لَهَا الطِّبَاعُ وَتَسْتَمْرِئُهَا الْعَادَةُ فَإِذَا فَقَدَتْهَا اسْتَسْهَلْتَ فِي تَحْصِيلِهَا بِالشُّبُهَاتِ حَتَّى تَقَعَ فِي الْحَرَامِ الْمَحْضِ بِغَلَبَةِ الْعَادَةِ وَاسْتِشْرَاهِ الْهَوَى عَلَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْأَمْرَ مِنْ أَوَّلِهِ وَحَمَاهُ مِنَ ابْتِدَائِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ.
وَالَّذِي يَضْبِطُ هَذَا الْبَابَ وَيَحْفَظُ قَانُونَهُ: عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَأْكُلَ مَا وَجَدَ، طَيِّبًا كَانَ أَوْ قَفَارًا، وَلَا يَتَكَلَّفُ الطَّيِّبَ وَيَتَّخِذُهُ عَادَةً، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْبَعُ إِذَا وَجَدَ، وَيَصْبِرُ إِذَا عَدِمَ، وَيَأْكُلُ الْحَلْوَى إِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الْعَسَلَ إِذَا اتَّفَقَ لَهُ، وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ إذا تيسر، ولا يعتمده أَصْلًا، وَلَا يَجْعَلُهُ دَيْدَنًا.
وَمَعِيشَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْلُومَةٌ، وَطَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ مَنْقُولَةٌ، فَأَمَّا الْيَوْمُ عِنْدَ اسْتِيلَاءِ الْحَرَامِ وَفَسَادِ الْحُطَامِ فَالْخَلَاصُ عَسِيرٌ، وَاللَّهُ يَهَبُ الْإِخْلَاصَ، وَيُعِينُ عَلَى الْخَلَاصِ بِرَحْمَتِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ التَّوْبِيخَ وَاقِعٌ عَلَى تَرْكِ الشُّكْرِ لَا عَلَى تَنَاوُلِ الطَّيِّبَاتِ الْمُحَلَّلَةِ، وهو حسن، فإن
تَنَاوُلَ الطَّيِّبِ الْحَلَالِ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَإِذَا تَرَكَ الشُّكْرَ عَلَيْهِ وَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى مَا لَا يحل له فقد أذهبه.
والله أعلم.