فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 1768

قوله تعالى: (وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَلَمْ يَقُلْ يُنْفِقُونَهُمَا، فَفِيهِ أَجْوِبَةٌ سِتَّةٌ:

الْأَوَّلُ - قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: قَصَدَ الْأَغْلَبَ وَالْأَعَمَّ وَهِيَ الْفِضَّةُ، وَمِثْلُهُ قوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) [البقرة: 45] رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ.

وَمِثْلُهُ (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها) [الجمعة: 11] فَأَعَادَ الْهَاءَ إِلَى التِّجَارَةِ لِأَنَّهَا الْأَهَمُّ وَتَرَكَ اللَّهْوَ قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.

وَأَبَاهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: لَا يُشْبِهُهَا، لِأَنَّ (أَوْ) قَدْ فَصَلَتِ التِّجَارَةَ مِنَ اللَّهْوِ فَحَسُنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى أحد هما.

الثَّانِي - الْعَكْسُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ (يُنْفِقُونَها) لِلذَّهَبِ وَالثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ.

وَالذَّهَبُ تُؤَنِّثُهُ الْعَرَبُ تَقُولُ: هِيَ الذَّهَبُ الْحَمْرَاءُ.

وَقَدْ تُذَكَّرُ وَالتَّأْنِيثُ أَشْهَرُ.

الثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْكُنُوزِ.

الرَّابِعُ - لِلْأَمْوَالِ الْمَكْنُوزَةِ.

الْخَامِسُ - لِلزَّكَاةِ التَّقْدِيرُ وَلَا يُنْفِقُونَ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ الْمَكْنُوزَةِ.

السَّادِسُ - الِاكْتِفَاءُ بِضَمِيرِ الْوَاحِدِ عَنْ ضَمِيرِ الْآخَرِ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرأي مختلف

وَلَمْ يَقُلْ رَاضُونَ.

وَقَالَ آخَرُ:

رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي

وَلَمْ يَقُلْ بَرِيئَيْنِ.

وَنَحْوُهُ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

إن شرخ الشَّبَابِ وَالشَّعْرَ الْأَسْ ... وَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونًا

وَلَمْ يَقُلْ يُعَاصَيَا.

* إِنْ قِيلَ: مَنْ لَمْ يَكْنِزْ وَلَمْ يُنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقَ فِي الْمَعَاصِي، هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ فِي الْوَعِيدِ حُكْمَ مَنْ كَنَزَ وَلَمْ يُنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

قِيلَ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ، فَإِنَّ مَنْ بَذَّرَ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي عَصَى مِنْ جِهَتَيْنِ: بِالْإِنْفَاقِ وَالتَّنَاوُلِ، كَشِرَاءِ الْخَمْرِ وَشُرْبِهَا.

بَلْ مِنْ جِهَاتٍ إِذَا كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِمَّا تَتَعَدَّى، كَمَنْ أَعَانَ عَلَى ظُلْمِ مُسْلِمٍ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

وَالْكَانِزُ عَصَى مِنْ جِهَتَيْنِ، وَهُمَا مَنْعُ الزَّكَاةِ وَحَبْسُ الْمَالِ لَا غَيْرَ.

وَقَدْ لَا يُرَاعَى حَبْسُ الْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت