فهرس الكتاب
قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (قَاتَلُوا) وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ (قُتِلُوا) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحَسَنُ إِلَّا أَنَّهُ شَدَّدَ التَّاءَ عَلَى التَّكْثِيرِ.
وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَأَبُو حَيْوَةَ (قَتَلُوا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، يَعْنِي الَّذِينَ قَتَلُوا الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ، وَقَدْ فَشَتْ فِيهِمُ الْجِرَاحَاتُ وَالْقَتْلُ، وَقَدْ نَادَى الْمُشْرِكُونَ: اعْلُ هُبَلُ.
وَنَادَى الْمُسْلِمُونَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ.
وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُولُوا لَا سَوَاءَ. قَتْلَانَا أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ) .
فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ.
فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذلك في (آل عمران) .
(سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ(5)
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو (قُتِلُوا) بَعِيدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ)
وَالْمَقْتُولُ لَا يُوصَفُ بِهَذَا.
قَالَ غَيْرُهُ: يَكُونُ الْمَعْنَى سَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ، أَوْ سَيَهْدِي مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، أَيْ يُحَقِّقُ لَهُمُ الْهِدَايَةَ.
وَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: سَيَهْدِيهِمْ إِلَى مُحَاجَّةِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي الْقَبْرِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَقَدْ تَرِدُ الْهِدَايَةُ وَالْمُرَادُ بِهَا إِرْشَادُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَسَالِكِ الْجِنَانِ وَالطُّرُقِ الْمُفْضِيَةِ إِلَيْهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُجَاهِدِينَ: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ.
سَيَهْدِيهِمْ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) [الصافات: 23] معناه فاسلكوا بهم إليها.
(وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ(6)
أَيْ إِذَا دَخَلُوهَا يُقَالُ لَهُمْ تَفَرَّقُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ، فَهُمْ أَعْرَفُ بِمَنَازِلِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ إِذَا انْصَرَفُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ.
قَالَ مَعْنَاهُ مُجَاهِدٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا) .
وَقِيلَ: (عَرَّفَها لَهُمْ) أَيْ بَيَّنَهَا لَهُمْ حَتَّى عَرَفُوهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ الْجَنَّةَ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا دَخَلُوهَا عَرَفُوهَا بِصِفَتِهَا.
وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ، أَيْ عَرَّفَ طُرُقَهَا وَمَسَاكِنَهَا وَبُيُوتَهَا لَهُمْ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ.
وَقِيلَ: هَذَا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَتْبَعُهُ الْعَبْدُ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَبْدُ مَنْزِلَهُ، وَيُعَرِّفَهُ الْمَلَكُ جَمِيعَ مَا جُعِلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ.
وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَرُدُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (عَرَّفَها لَهُمْ) أَيْ طَيَّبَهَا لَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرْفِ، وَهُوَ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ.
وَطَعَامٌ مُعَرَّفٌ أَيْ مُطَيَّبٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ: عَرَّفْتَ الْقِدْرَ إِذَا طَيَّبْتَهَا بِالْمِلْحِ وَالْأَبْزَارِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ يُخَاطِبُ رَجُلًا ويمدحه:
عرفت كاتب عرفته اللطائم
يقول: كَمَا عُرِّفَ الْإِتْبُ، وَهُوَ الْبَقِيرُ وَالْبَقِيرَةُ، وَهُوَ قَمِيصٌ لَا كُمَّيْنِ لَهُ تَلْبَسُهُ النِّسَاءُ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ وَضْعِ الطَّعَامُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ كَثْرَتِهِ، يُقَالُ: حَرِيرٌ مُعَرَّفٌ، أَيْ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهُوَ مِنَ الْعُرْفِ الْمُتَتَابِعِ كَعُرْفِ الْفَرَسِ.
وَقِيلَ: (عَرَّفَها لَهُمْ) أَيْ وَفَّقَهُمْ لِلطَّاعَةِ حَتَّى اسْتَوْجَبُوا الْجَنَّةَ.
وَقِيلَ: عَرَّفَ أَهْلَ السَّمَاءِ أَنَّهَا لَهُمْ إِظْهَارًا لِكَرَامَتِهِمْ فِيهَا.
وَقِيلَ: عَرَّفَ المطيعين أنها لهم.