فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا)
قِيلَ: شَيْطَانٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرَ أَهْلِ التفسيرين، أَلْقَى اللَّهُ شَبَهَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَاسْمُهُ صَخْرُ بْنُ عُمَيْرٍ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ سُلَيْمَانَ عَلَى الْمَاسِ حِينَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَوَّتَتِ الْحِجَارَةُ لَمَّا صُنِعَتْ بِالْحَدِيدِ، فَأَخَذُوا الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ وَالْفُصُوصَ وَغَيْرَهَا وَلَا تُصَوِّتُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مَارِدًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ جَمِيعُ الشَّيَاطِينِ، وَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ حَتَّى ظَفِرَ بِخَاتَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ لَا يَدْخُلُ الْكَنِيفَ بِخَاتَمِهِ، فَجَاءَ صَخْرٌ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ حَتَّى أَخَذَ الْخَاتَمَ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ سُلَيْمَانَ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا الْأَمِينَةُ، قَالَهُ شَهْرٌ وَوَهْبٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ: اسْمُهَا جَرَادَةُ.
فَقَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَسُلَيْمَانُ هَارِبٌ، حَتَّى رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَاتَمَ وَالْمُلْكَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: كَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ وَضَعَ خَاتَمَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ، فَأَخَذَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ تَحْتِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَخَذَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ يَدِ سُلَيْمَانَ، لِأَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ الشَّيْطَانَ وَكَانَ اسْمُهُ آصِفَ: كَيْفَ تُضِلُّونَ النَّاسَ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: أَعْطِنِي خَاتَمَكَ حَتَّى أُخْبِرَكَ.
فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، فَلَمَّا أَخَذَ الشَّيْطَانُ الْخَاتَمَ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، مُتَشَبِّهًا بِصُورَتِهِ، دَاخِلًا عَلَى نِسَائِهِ، يَقْضِي بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَيَأْمُرُ بِغَيْرِ الصَّوَابِ.
وَاخْتُلِفَ فِي إِصَابَتِهِ لِنِسَاءِ سُلَيْمَانَ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِنَّ فِي حَيْضِهِنَّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُنِعَ مِنْ إِتْيَانِهِنَّ وَزَالَ عَنْ سُلَيْمَانَ مُلْكُهُ فَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يَتَضَيَّفُ النَّاسَ، وَيَحْمِلُ سُمُوكَ الصَّيَّادِينَ بِالْأَجْرِ، وَإِذَا أَخْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ أَكْذَبُوهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ بَعْدَ أَنِ اسْتَنْكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ حُكْمَ الشَّيْطَانِ أَخَذَ حُوتَهُ مِنْ صَيَّادٍ.
قِيلَ: إِنَّهُ اسْتَطْعَمَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَذَهَا أُجْرَةً فِي حَمْلِ حُوتٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ صَادَهَا فَلَمَّا شَقَّ بَطْنَهَا وَجَدَ خَاتَمَهُ فِيهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ زَوَالِ مُلْكِهِ، وَهِيَ عَدَدُ الْأَيَّامِ الَّتِي عُبِدَ فِيهَا الصَّنَمُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّمَا وَجَدَ الْخَاتَمَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي أَخَذَهُ أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَيْنَمَا سُلَيْمَانُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ وَهُوَ يَعْبَثُ بِخَاتَمِهِ، إِذْ سَقَطَ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) .
وَحَكَى يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ وَجَدَ خَاتَمَهُ بِعَسْقَلَانَ، فَمَشَى مِنْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ عباس وغيره: ثم إن سُلَيْمَانَ لَمَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، أَخَذَ صَخْرًا الَّذِي أَخَذَ خَاتَمَهُ، وَنَقَرَ لَهُ صَخْرَةً وَأَدْخَلَهُ فِيهَا، وَسَدَّ عَلَيْهِ بِأُخْرَى وَأَوْثَقَهَا بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمِهِ وَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ: هَذَا مَحْبِسُكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا أَخَذَ سُلَيْمَانُ الْخَاتَمَ، أَقْبَلَتْ إِلَيْهِ الشَّيَاطِينُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالطَّيْرُ وَالْوَحْشُ وَالرِّيحُ، وَهَرَبَ الشَّيْطَانُ الَّذِي خَلَفَ فِي أَهْلِهِ، فَأَتَى جَزِيرَةً فِي الْبَحْرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الشَّيَاطِينُ فَقَالُوا: لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَرِدُ عَيْنًا فِي الْجَزِيرَةِ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكَرَ! قَالَ: فَنَزَحَ سُلَيْمَانُ مَاءَهَا وَجَعَلَ فِيهَا خَمْرًا، فَجَاءَ يَوْمَ وُرُودِهِ فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُطِيشِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا.
ثُمَّ عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، ثُمَّ شَرِبَهَا فَغَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، فَأَرَوْهُ الْخَاتَمَ فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً.
فَأَتَوْا بِهِ سُلَيْمَانَ فَأَوْثَقَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى جَبَلٍ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ جَبَلُ الدُّخَانِ فَقَالُوا: إِنَّ الدُّخَانَ الَّذِي تَرَوْنَ مِنْ نَفَسِهِ، وَالْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْجَبَلِ مِنْ بَوْلِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ آصِفُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ اسْمُهُ حَبْقِيقُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَى أَهْلِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمَانَ الشَّيْطَانُ بِسُلَيْمَانَ حَتَّى يَظُنُّوا أَنَّهُمْ مَعَ نَبِيِّهِمْ فِي حَقٍّ، وَهُمْ مَعَ الشَّيْطَانِ فِي بَاطِلٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْجَسَدَ وَلَدٌ وُلِدَ لِسُلَيْمَانَ، وَأَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ اجْتَمَعَتِ الشَّيَاطِينُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنْ عَاشَ لَهُ ابْنٌ لَمْ نَنْفَكَّ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالسُّخْرَةِ، فَتَعَالَوْا نَقْتُلْ وَلَدَهُ أَوْ نَخْبِلْهُ.
فَعَلِمَ سُلَيْمَانُ بِذَلِكَ فَأَمَرَ الرِّيحَ حَتَّى حَمَلَتْهُ إِلَى السَّحَابِ، وَغَدَا ابْنُهُ فِي السَّحَابِ خَوْفًا مِنْ مَضَرَّةِ الشَّيَاطِينِ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ بِخَوْفِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَقَدْ وَقَعَ عَلَى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا.
قَالَ مَعْنَاهُ الشَّعْبِيُّ.
فَهُوَ الْجَسَدُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) .
وَحَكَى النَّقَّاشُ وَغَيْرُهُ: إِنَّ أَكْثَرَ مَا وَطِئَ سُلَيْمَانُ جَوَارِيَهُ طَلَبًا لِلْوَلَدِ، فَوُلِدَ لَهُ نِصْفُ إِنْسَانٍ، فَهُوَ كَانَ الْجَسَدَ الْمُلْقَى عَلَى كُرْسِيِّهِ جَاءَتْ بِهِ الْقَابِلَةُ فَأَلْقَتْهُ هُنَاكَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ سُلَيْمَانُ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ الله لجاهد وا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) وَقِيلَ: إِنَّ الْجَسَدَ هُوَ آصِفُ بْنُ بَرْخِيَا الصِّدِّيقُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فُتِنَ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ وَكَانَ فِيهِ مُلْكُهُ، فَأَعَادَهُ إِلَى يَدِهِ فَسَقَطَ فَأَيْقَنَ بِالْفِتْنَةِ، فَقَالَ لَهُ آصِفُ: إِنَّكَ مَفْتُونٌ وَلِذَلِكَ لَا يَتَمَاسَكُ فِي يَدِكَ، فَفِرَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَائِبًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَا أَقُومُ مَقَامَكَ فِي عَالَمِكَ إِلَى أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَكَ مِنْ حِينِ فُتِنْتَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِبًا إِلَى رَبِّهِ، وَأَخَذَ آصِفُ الْخَاتَمَ فَوَضَعَهُ فِي يَدِهِ فَثَبَتَ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ.
وَقَامَ آصِفُ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَعِيَالِهِ، يَسِيرُ بِسَيْرِهِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِهِ، إِلَى أَنْ رَجَعَ سُلَيْمَانُ إِلَى مَنْزِلِهِ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، فَأَقَامَ آصِفُ فِي مَجْلِسِهِ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَأَخَذَ الْخَاتَمَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْجَسَدَ كَانَ سُلَيْمَانَ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى صَارَ جَسَدًا.
وَقَدْ يُوصَفُ بِهِ الْمَرِيضُ الْمُضْنَى فَيُقَالُ: كَالْجَسَدِ الْمُلْقَى.