فهرس الكتاب

الصفحة 781 من 1768

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: وَذَكَرَتِ النِّسْوَةُ أَنَّ صُورَةَ يُوسُفَ أَحْسَنُ، مِنْ صُورَةِ الْبَشَرِ، بَلْ هُوَ فِي صُورَةِ مَلَكٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُنَّ: (حاشَ لِلَّهِ) تَبْرِئَةٌ لِيُوسُفَ عَمَّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ، أَيْ بَعُدَ يُوسُفُ عَنْ هَذَا، وَقَوْلُهُنَّ: (لِلَّهِ) أَيْ لِخَوْفِهِ، أَيْ بَرَاءَةٌ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، أَيْ قَدْ نَجَا يُوسُفُ مِنْ ذلك، فليس هذا من الصورة في شيء، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ فِي التَّبْرِئَةِ عَنِ الْمَعَاصِي كَالْمَلَائِكَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَنَاقُضَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْبَشَرِ فِي الصُّورَةِ، لِفَرْطِ جَمَالِهِ.

وَقَوْلُهُ: (لِلَّهِ) تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَتِ النِّسْوَةُ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُنَّ أَنَّ صورة الملك أحسن، وما بلغهن قوله تَعَالَى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] فَإِنَّهُ مِنْ كِتَابِنَا.

وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الضَّعَفَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ كَانَ ظَنًّا بَاطِلًا مِنْهُنَّ لَوَجَبَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِنَّ، وَيُبَيِّنَ كَذِبَهُنَّ، وَهَذَا بَاطِلٌ، إِذْ لَا وُجُوبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ كُلَّ مَا يُخْبِرُ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ كُفْرِ الْكَافِرِينَ وَكَذِبِ الْكَاذِبِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُنَ بِهِ الرَّدَّ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا أَهْلُ الْعُرْفِ قَدْ يَقُولُونَ فِي الْقَبِيحِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ، وَفِي الْحُسْنِ كَأَنَّهُ مَلَكٌ، أَيْ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ، فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى ظَنٍّ فِي أَنَّ صُورَةَ الْمَلَكِ أَحْسَنُ، أَوْ عَلَى الْإِخْبَارِ بِطَهَارَةِ أَخْلَاقِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ التُّهَمِ.

(إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ) أَيْ مَا هَذَا إِلَّا مَلَكٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

فَلَسْتَ لَإِنْسِيٌّ وَلَكِنْ لَمَلْأَكٌ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ

وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: (مَا هَذَا بِشِرًى) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالشِّينِ، أَيْ مَا هَذَا عَبْدًا مُشْتَرًى، أَيْ مَا يَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يُبَاعَ، فَوَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ اسْمِ الْمَفْعُولِ، كَمَا قَالَ: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) [المائدة: 96] أَيْ مَصِيدُهُ، وَشَبَهُهُ كَثِيرٌ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: مَا هَذَا بِثَمَنٍ، أَيْ مِثْلُهُ لَا يُثَمَّنُ وَلَا يُقَوَّمُ، فَيُرَادُ بِالشِّرَاءِ عَلَى هَذَا الثَّمَنِ الْمُشْتَرَى بِهِ: كَقَوْلِكَ: مَا هَذَا بِأَلْفٍ إِذَا نَفَيْتَ قَوْلَ الْقَائِلِ: هَذَا بِأَلْفٍ.

فَالْبَاءُ عَلَى هَذَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هُوَ الْخَبَرُ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا هَذَا مُقَدَّرًا بِشِرَاءٍ.

وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ أَشْبَهُ، لِأَنَّ بَعْدَهُ (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) مُبَالَغَةٌ فِي تَفْضِيلِهِ فِي جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَلِأَنَّ مِثْلَ (بِشِرًى) يُكْتَبُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْيَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت