قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)
قِيلَ: إِنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ إِنَّ الْقُرْآنَ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ.
وَقِيلَ: مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَظِيمٌ (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ذُكِرَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ، أَيْ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ، لَيْسَ بِسِحْرٍ وَلَا كَهَانَةٍ، وَلَيْسَ بِمُفْتَرًى، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ مَحْمُودٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعْجِزَةً لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ كَرِيمٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُ كَلَامُ رَبِّهِمْ، وَشِفَاءُ صُدُورِهِمْ، كَرِيمٌ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ تَنْزِيلُ رَبِّهِمْ وَوَحْيِهِ.
وَقِيلَ: (كَرِيمٌ) أَيْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَقِيلَ: (كَرِيمٌ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَرِيمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَانِي الْأُمُورِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُكَرَّمُ حَافِظُهُ، وَيُعَظَّمُ قَارِئُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ)
مَصُونٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقِيلَ: مَكْنُونٍ مَحْفُوظٌ عَنِ الْبَاطِلِ.
وَالْكِتَابُ هُنَا كِتَابٌ فِي السَّمَاءِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ.
عِكْرِمَةُ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِيهِمَا ذِكْرُ
الْقُرْآنِ وَمَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ.
السُّدِّيُّ: الزَّبُورُ.
مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ الْمُصْحَفُ الَّذِي فِي أَيْدِينَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى (لَا يَمَسُّهُ) هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَسِّ بِالْجَارِحَةِ أَوْ مَعْنًى؟ وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي (الْمُطَهَّرُونَ) مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ أَنَسٌ وَسَعِيدٌ بن جُبَيْرٍ: لَا يَمَسُّ ذَلِكَ الْكِتَابَ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ طُهِّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ كَالرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَجِبْرِيلُ النَّازِلُ بِهِ مُطَهَّرٌ، وَالرُّسُلُ الَّذِينَ يَجِيئُهُمْ بِذَلِكَ مُطَهَّرُونَ.
الْكَلْبِيُّ: هُمُ السَّفَرَةُ الْكِرَامُ الْبَرَرَةُ.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ نَحْوُ مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ حَيْثُ قَالَ: أَحْسَنَ مَا سَمِعْتُ فِي قَوْلِهِ (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَةِ الَّتِي فِي (عَبَسَ وَتَوَلَّى) َمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ.
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرامٍ بَرَرَةٍ)
يُرِيدُ أَنَّ الْمُطَهَّرِينَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ وُصِفُوا بِالطَّهَارَةِ فِي سُورَةِ (عَبَسَ) .
وَقِيلَ: مَعْنَى (لَا يَمَسُّهُ) لَا يَنْزِلُ بِهِ (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أَيِ الرُّسُلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الرُّسُلِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقِيلَ: لَا يَمَسُّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ الْمَكْنُونُ إِلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُطَهَّرُونَ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِسْرَافِيلَ هُوَ الْمُوَكَّلُ بِذَلِكَ، حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَنَالُهُ فِي وَقْتٍ وَلَا تَصِلُ إِلَيْهِ بِحَالٍ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ مَجَالٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الَّذِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ فِي الصُّحُفِ فَهُوَ قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمُصْحَفُ الَّذِي بِأَيْدِينَا، وَهُوَ الأظهر.
وقد روى مالك وغيره أن كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُسْخَتُهُ: (مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ إِلَى شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ قَيْلُ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ أَمَّا بَعْدُ) وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ) .
وَقَالَتْ أُخْتُ عُمَرَ لِعُمَرَ عِنْدَ إِسْلَامِهِ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَدَعَا بالصحيفة: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
فَقَامَ وَاغْتَسَلَ وَأَسْلَمَ.
وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ (طه) .
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ.
الْكَلْبِيُّ: مِنَ الشِّرْكِ.
الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا.
وَقِيلَ: مَعْنَى (لَا يَمَسُّهُ) لَا يَقْرَؤُهُ (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) إِلَّا الْمُوَحِّدُونَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ وَعَبْدَةُ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْهَى أَنْ يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ وَبَرَكَتَهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا) .
وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَا يُعْرَفُ تَفْسِيرُهُ وَتَأْوِيلُهُ إِلَّا مَنْ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: لَا يُوَفَّقُ لِلْعَمَلِ بِهِ إِلَّا السُّعَدَاءُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَمَسُّ ثَوَابَهُ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ.
وَرَوَاهُ مُعَاذٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ قِيلَ: ظَاهِرُ الْآيَةِ خَبَرٌ عَنِ الشَّرْعِ، أَيْ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ شَرْعًا، فَإِنْ وُجِدَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ الشَّرْعِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ.
وَأَبْطَلَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ.