فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 1768

خَصَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالذِّكْرِ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْهُمْ أُمَمٌ قَبْلَهُمْ كَانَ قَتْلُ النَّفْسِ فِيهِمْ مَحْظُورًا - لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ أُمَّةٍ نَزَلَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِمْ فِي قَتْلِ الْأَنْفُسِ مَكْتُوبًا، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلًا مُطْلَقًا، فَغُلِّظَ الْأَمْرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْكِتَابِ بِحَسَبِ طُغْيَانِهِمْ وَسَفْكِهِمُ الدِّمَاءَ.

وَمَعْنَى (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أَيْ بِغَيْرِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسًا فَيَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ.

وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْقَتْلَ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا. (أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ) أَيْ شِرْكٍ، وَقِيلَ: قَطْعُ طَرِيقٍ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ - (أَوْ فَسَادًا) بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوَّلُ الْكَلَامِ تَقْدِيرُهُ، أَوْ أَحْدَثَ فَسَادًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ) لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْفَسَادِ.

وَقَرَأَ الْعَامَّةُ - (فَسادٍ) بِالْجَرِّ عَلَى مَعْنَى أَوْ بِغَيْرِ فَسَادٍ.

(فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)

اضْطَرَبَ لَفْظُ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَرْتِيبِ هَذَا التَّشْبِيهِ لِأَجْلِ أَنَّ عِقَابَ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا أَكْثَرُ مِنْ عِقَابِ مَنْ قَتَلَ وَاحِدًا، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَعْنَى مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامَ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهُ بِأَنْ شَدَّ عَضُدَهُ وَنَصَرَهُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.

وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: الْمَعْنَى مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً وَانْتَهَكَ حُرْمَتَهَا فَهُوَ مِثْلُ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ تَرَكَ قَتْلَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَصَانَ حُرْمَتَهَا وَاسْتَحْيَاهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ فَهُوَ كَمَنْ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.

وَعَنْهُ أَيْضًا: الْمَعْنَى فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ الْمَقْتُولِ، وَمَنْ أَحْيَاهَا وَاسْتَنْقَذَهَا مِنْ هَلَكَةٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ الْمُسْتَنْقَذِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْتُلُ النَّفْسَ الْمُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ

جَهَنَّمَ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا، يَقُولُ: لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ فَقَدْ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَيَلْزَمُهُ مِنَ الْقَوَدِ وَالْقِصَاصِ مَا يَلْزَمُ مَنْ قَتْلَ النَّاسَ جَمِيعًا، قَالَ: وَمَنْ أَحْيَاهَا أَيْ مَنْ عَفَا عَمَّنْ وَجَبَ لَهُ قَتْلُهُ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ أَيْضًا، أَيْ هُوَ الْعَفْوُ بَعْدَ الْمَقْدِرَةِ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ خُصَمَاؤُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ وَتَرَ الْجَمِيعَ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، أَيْ يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ شُكْرُهُ.

وَقِيلَ: جُعِلَ إِثْمُ قَاتِلِ الْوَاحِدِ إِثْمَ قَاتِلِ الْجَمِيعِ، وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُرِيدُ.

وَقِيلَ: كَانَ هَذَا مُخْتَصًّا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالتَّشْبِيهُ عَلَى مَا قِيلَ وَاقِعٌ كُلُّهُ، وَالْمُنْتَهِكُ فِي وَاحِدٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الْجَمِيعِ، وَمِثَالُهُ رَجُلَانِ حَلَفَا عَلَى شَجَرَتَيْنِ أَلَا يَطْعَمَا مِنْ ثَمَرِهِمَا شَيْئًا، فَطَعِمَ أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً مِنْ ثَمَرِ شَجَرَتِهِ، وَطَعِمَ الْآخَرُ ثَمَرَ شَجَرَتِهِ كُلِّهَا، فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي الْحِنْثِ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ وَاحِدًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ الْجَمِيعَ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الشَّرْعَ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ أَحْياها) تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّرْكِ وَالْإِنْقَاذِ مِنْ هَلَكَةٍ، وَإِلَّا فَالْإِحْيَاءُ حَقِيقَةً - الَّذِي هُوَ الِاخْتِرَاعُ - إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تعالى.

وإنما هذا الأحياء بمنزلة قول نمروذ اللعين: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)

فَسَمَّى التَّرْكَ إِحْيَاءً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت