فهرس الكتاب

الصفحة 978 من 1768

قَرَأَ الْأَعْمَشُ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ (فَنَسِيَ) بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا - تَرَكَ، أَيْ تَرَكَ الْأَمْرَ وَالْعَهْدَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَمِنْهُ (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة 67] .

وَثَانِيهِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (نَسِي) هُنَا مِنَ السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَسِيَ مَا عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَزْمٌ مَا أَطَاعَ عَدُوَّهُ إِبْلِيسَ.

وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَأْخُوذًا بِالنِّسْيَانِ، وَإِنْ كَانَ النِّسْيَانُ عَنَّا الْيَوْمَ مَرْفُوعًا.

وَمَعْنَى (مِنْ قَبْلُ) أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْهَا.

وَالْمُرَادُ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ طَاعَةُ بَنِي آدَمَ الشَّيْطَانَ أَمْرٌ قَدِيمٌ، أَيْ إِنْ نَقَضَ هَؤُلَاءِ الْعَهْدَ فَإِنَّ آدَمَ أَيْضًا عَهِدْنَا إِلَيْهِ فَنَسِيَ: حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ وَكَذَلِكَ الطَّبَرِيُّ.

أَيْ وَإِنْ يُعْرِضْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ عَنْ آيَاتِي، وَيُخَالِفُوا رُسُلِي، وَيُطِيعُوا إِبْلِيسَ فَقِدَمًا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُوهُمْ آدَمُ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ، وَذَلِكَ كَوْنُ آدَمَ مِثَالًا لِلْكُفَّارِ الْجَاحِدِينَ بِاللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَآدَمُ إِنَّمَا عَصَى بِتَأْوِيلٍ، فَفِي هَذَا غَضَاضَةٌ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ فِي الْآيَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ قَصَصٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ تَعَلُّقُهُ أَنَّهُ لَمَّا عَهِدَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَعْجَلَ بِالْقُرْآنِ، مَثَّلَ لَهُ بِنَبِيٍّ قَبْلَهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ فَعُوقِبَ، لِيَكُونَ أَشَدَّ فِي التَّحْذِيرِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعَهْدِ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والعهد هاهنا فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ، (وَنَسِيَ) مَعْنَاهُ تَرَكَ، وَنِسْيَانُ الذُّهُولِ لَا يُمْكِنُ هُنَا، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاسِي عِقَابٌ.

وَالْعَزْمُ الْمُضِيُّ عَلَى الْمُعْتَقَدِ فِي أي شيء كَانَ، وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَلَّا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ لَكِنْ لَمَّا وَسْوَسَ إِلَيْهِ إِبْلِيسُ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى مُعْتَقَدِهِ.

وَالشَّيْءُ الَّذِي عُهِدَ إِلَى آدَمَ هُوَ أَلَّا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأُعْلِمَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ عَدُوٌّ لَهُ.

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: لَمْ نَجِدْ لَهُ صَبْرًا عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، ومواظبة على التزام الأمر.

قال النَّحَّاسُ: وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ عَزْمٌ أَيْ صَبْرٌ وَثَبَاتٌ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنَ الْمَعَاصِي حَتَّى يَسْلَمَ مِنْهَا، وَمِنْهُ (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35] .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ: حِفْظًا لِمَا أُمِرَ بِهِ، أَيْ لَمْ يَتَحَفَّظْ مِمَّا نَهَيْتُهُ حَتَّى نَسِيَ وَذَهَبَ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لَهُ: إِنْ أَكَلْتَهَا خُلِّدْتَ فِي الْجَنَّةِ يَعْنِي عَيْنَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَلَمْ يُطِعْهُ فَدَعَاهُ إِلَى نَظِيرِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مِمَّا دَخَلَ فِي عُمُومِ النَّهْيِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَظَنَّ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي النَّهْيِ فَأَكَلَهَا تَأْوِيلًا، وَلَا يَكُونُ نَاسِيًا لِلشَّيْءِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: (عَزْمًا) مُحَافَظَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عَزِيمَةُ أَمْرٍ.

ابْنُ كَيْسَانَ: إِصْرَارًا وَلَا إِضْمَارًا لِلْعَوْدِ إِلَى الذَّنْبِ.

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى تَأْوِيلِ الْكَلَامِ، وَلِهَذَا قَالَ قَوْمٌ: آدَمُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) .

وَقَالَ المعظم: كان الرُّسُلِ أُولُو الْعَزْمِ، وَفِي الْخَبَرِ: (مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَخْطَأَ أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ مَا خَلَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا) فَلَوْ خَرَجَ آدَمُ بِسَبَبِ خَطِيئَتِهِ مِنْ جُمْلَةِ أُولِي الْعَزْمِ لَخَرَجَ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى يَحْيَى.

وَقَدْ قَالَ أبو أمامة: أَنَّ أَحْلَامَ بَنِي آدَمَ جُمِعَتْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَوُضِعَتْ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ، وَوُضِعَ حِلْمُ آدَمَ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى لَرَجَحَهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت