فهرس الكتاب

الصفحة 1282 من 1768

قَالَ: (فَسُقْناهُ) بَعْدَ أَنْ قَالَ: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ) وَهُوَ مِنْ بَابِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَبِيلُهُ (فَتَسُوقُهُ) ، لِأَنَّهُ قَالَ: (فَتُثِيرُ سَحابًا) .

الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ جَاءَ (فَتُثِيرُ) عَلَى الْمُضَارَعَةِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ؟

قُلْتُ: لِتَحْكِيَ الْحَالَ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا إِثَارَةُ الرِّيَاحِ السَّحَابَ، وَتَسْتَحْضِرُ تِلْكَ الصورة البديعة الدالة على القدوة الرَّبَّانِيَّةِ، وَهَكَذَا يَفْعَلُونَ بِفِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَخُصُوصِيَّةٍ بِحَالٍ تُسْتَغْرَبُ، أَوْ تُهِمُّ الْمُخَاطَبَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:

بِأَنِّي قد لقيت الغول تهوي ... وبسهب كالصحيفة صحصحان

فاضربها بلا دهش فخرت ... وصريعا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْجِرَانِ

لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يُصَوِّرَ لِقَوْمِهِ الْحَالَةَ الَّتِي تَشَجَّعَ فِيهَا بِزَعْمِهِ عَلَى ضَرْبِ الْغُولِ، كَأَنَّهُ يُبَصِّرُهُمْ إِيَّاهَا، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى كُنْهِهَا مُشَاهَدَةً لِلتَّعَجُّبِ.

مِنْ جُرْأَتِهِ عَلَى كُلِّ هَوْلٍ، وَثَبَاتِهِ عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ وَكَذَلِكَ سَوْقُ السَّحَابِ إِلَى الْبَلَدِ الْمَيِّتِ، لَمَّا كَانَا مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ قِيلَ: (فَسُقْنَا) وَ (أَحْيَيْنَا) مَعْدُولًا بِهِمَا عَنْ لَفْظَةِ الْغَيْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَدْخَلُ فِي الِاخْتِصَاصِ وَأَدَلُّ عَلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت