فهرس الكتاب
أي (فَكانَ) مُحَمَّدٌ مِنْ رَبِّهِ أَوْ مِنْ جِبْرِيلَ (قابَ قَوْسَيْنِ) أَيْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ عَرَبِيَّتَيْنِ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْفَرَّاءُ.
الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ تَقْدِيرُ قَوْلِهِ: (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ) قُلْتُ: تَقْدِيرُهُ فَكَانَ مِقْدَارُ مَسَافَةِ قُرْبِهِ مِثْلَ قَابِ قَوْسَيْنِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الْمُضَافَاتُ كَمَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ:
وَقَدْ جَعَلَتْنِي مِنْ حَزِيمَةَ إِصْبَعَا
أَيْ ذَا مِقْدَارِ مَسَافَةِ إِصْبَعٍ (أَوْ أَدْنى) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَوْ يَزِيدُونَ) .
وَفِي الصِّحَاحِ: وَتَقُولُ بَيْنَهُمَا قَابُ قَوْسٍ، وَقِيبُ قَوْسٍ وَقَادُ قَوْسٍ، وَقِيدُ قَوْسٍ، أَيْ قَدْرُ قوس.
وقرا زيد بن علي (قاد) وقرئ (قِيدَ) وَ (قَدْرَ) .
ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَالْقَابُ مَا بَيْنَ الْمَقْبَضِ وَالسِّيَةِ.
وَلِكُلِّ قَوْسٍ قَابَانِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قابَ قَوْسَيْنِ) أَرَادَ قَابَيْ قَوْسٍ فَقَلَبَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: (وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَوْضِعُ قِدِّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وَالْقِدُّ السَّوْطُ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) .
وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْمَثَلُ بِالْقَوْسِ، لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ فِي الْقَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اعْلَمْ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ إِضَافَةِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ أَوْ إِلَى اللَّهِ فَلَيْسَ بِدُنُوِّ مَكَانٍ وَلَا قُرْبِ مَدًى، وَإِنَّمَا دُنُوُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَبِّهِ وَقُرْبِهِ مِنْهُ: إِبَانَةُ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وَتَشْرِيفُ رُتْبَتِهِ، وَإِشْرَاقُ أَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ، وَمُشَاهَدَةُ أَسْرَارِ غَيْبِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ: مَبَرَّةٌ وَتَأْنِيسٌ وَبَسْطٌ وَإِكْرَامٌ.
وَيُتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا) عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ: نُزُولُ إِجْمَالٍ وَقَبُولٍ وَإِحْسَانٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَوْلُهُ: (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) فَمَنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ عَائِدًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى جِبْرِيلَ كَانَ عِبَارَةً عَنْ نِهَايَةِ الْقُرْبِ، وَلُطْفِ الْمَحَلِّ، وَإِيضَاحِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِبَارَةً عَنْ إِجَابَةِ الرَّغْبَةِ، وَقَضَاءِ الْمَطَالِبِ، وَإِظْهَارِ التَّحَفِّي، وَإِنَافَةِ الْمَنْزِلَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، وَيُتَأَوَّلُ فِيهِ مَا يُتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) قُرْبٌ بِالْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ، وَإِتْيَانٌ بِالْإِحْسَانِ وَتَعْجِيلُ الْمَأْمُولِ.
وَقَدْ قِيلَ: (ثُمَّ دَنا) جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهِ (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ أَقْرَبَ الْمَلَائِكَةِ مِنَ اللَّهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
وَقِيلَ: (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ قَابَ قَوْسَيْنِ وَأَدْنَى.
وَقِيلَ: بِمَعْنَى بَلْ أَيْ بَلْ أَدْنَى.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْقَابُ صَدْرُ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ حَيْثُ يُشَدُّ عَلَيْهِ السَّيْرُ الَّذِي يَتَنَكَّبُهُ صَاحِبُهُ، وَلِكُلِّ قَوْسٍ قَابٌ وَاحِدٌ.
فَأَخْبَرَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَرُبَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقُرْبِ قَابِ قَوْسَيْنِ.
وَقَالَ سعيد بن جبير وعطاء
وَأَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ وَأَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ) أَيْ قَدْرَ ذِرَاعَيْنِ، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء، وَهِيَ لُغَةُ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ.
وَقِيلَ: هِيَ لُغَةُ أَزْدِ شَنُوءَةَ أَيْضًا.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: قَوْلُهُ: (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) أَرَادَ قَوْسًا وَاحِدًا، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرَّتَيْنِ ... قَطَعْتُهُ بِالسَّمْتِ لَا بِالسَّمْتَيْنِ
أَرَادَ مَهْمَهًا وَاحِدًا.
وَالْقَوْسُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ فَمَنْ أَنَّثَ قَالَ فِي تَصْغِيرِهَا قُوَيْسَةٌ وَمَنْ ذَكَّرَ قَالَ قُوَيْسٌ، وَفِي الْمَثَلِ هُوَ من خير قويس سهما.
والجمع قسي وقسي وَأَقْوَاسٌ وَقِيَاسٌ، وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
وَوَتَّرَ الْأَسَاوِرُ القياسا
والقوس أيضا بقية النمر فِي الْجُلَّةِ أَيِ الْوِعَاءِ.
وَالْقَوْسُ بُرْجٌ فِي السَّمَاءِ.
فَأَمَّا الْقُوسُ بِالضَّمِّ فَصَوْمَعَةُ الرَّاهِبِ، قَالَ الشاعر وَذَكَرَ امْرَأَةً:
لَاسْتَفْتَنَتْنِي وَذَا الْمِسْحَيْنِ فِي الْقُوسِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى)
تَفْخِيمٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ.
وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْوَحْيِ وَهُوَ إِلْقَاءُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ وَمِنْهُ الْوَحَاءُ الْوَحَاءُ.
وَالْمَعْنَى فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَوْحَى.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ)
جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (مَا أَوْحى) .
وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَأَوْحَى جِبْرِيلُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّهُ.
قَالَهُ الرَّبِيعُ وَالْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ وَقَتَادَةُ.
قَالَ قَتَادَةُ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى جِبْرِيلَ وَأَوْحَى جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ.
ثُمَّ قِيلَ: هَذَا الْوَحْيُ هَلْ هُوَ مُبْهَمٌ؟ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ نَحْنُ وَتُعُبِّدْنَا بِالْإِيمَانِ بِهِ
عَلَى الْجُمْلَةِ، أَوْ هُوَ مَعْلُومٌ مُفَسَّرٌ؟ قَوْلَانِ.
وَبِالثَّانِي قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُحَمَّدٍ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ! أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ! أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ! (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) .
وَقِيلَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ حَرَامٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا يَا مُحَمَّدُ، وَعَلَى الأمم حتى تدخلها أمتك.