فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ)

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَعْنَى (لِنَعْلَمَ) لِنَرَى.

وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْعِلْمَ مَكَانَ الرُّؤْيَةِ، وَالرُّؤْيَةَ مَكَانَ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) بِمَعْنَى أَلَمْ تَعْلَمْ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنَّنَا نَعْلَمُ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا فِي شَكٍّ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى لِنُمَيِّزَ أَهْلَ الْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ، حَكَاهُ ابْنُ فُوْرَكَ، وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِلَّا لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ وَأَتْبَاعُهُ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا يُقَالُ: فَعَلَ الْأَمِيرُ كَذَا، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ أَتْبَاعُهُ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَهُوَ جَيِّدٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ، فَأَضَافَ عِلْمَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَعَالَى تَخْصِيصًا وَتَفْضِيلًا، كَمَا كَنَّى عَنْ نفسه سبحانه في قوله: (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني) الْحَدِيثَ.

وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ عِلْمُ الْمُعَايَنَةِ الَّذِي يُوجِبُ الْجَزَاءَ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، عَلِمَ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، تَخْتَلِفُ الْأَحْوَالُ عَلَى الْمَعْلُومَاتِ وَعِلْمُهُ لَا يَخْتَلِفُ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ تَعَلُّقًا وَاحِدًا.

وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) ، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وَمَا أَشْبَهَ.

وَالْآيَةُ جَوَابٌ لِقُرَيْشٍ فِي قَوْلِهِمْ: (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَأْلَفُ الْكَعْبَةَ، فَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ بِغَيْرِ مَا أَلِفُوهُ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لَا يَتَّبِعُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت