فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَلْقِ عَصاكَ)

قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ظَنَّ مُوسَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَرْفُضَهَا فَرَفَضَهَا.

وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مُوسَى أَنَّ الْمُكَلِّمَ لَهُ هُوَ الله، وأن موسى رسوله، وكل نبى لا بد لَهُ مِنْ آيَةٍ فِي نَفْسِهِ يَعْلَمُ بِهَا نُبُوَّتَهُ.

وَفِي الْآيَةِ حَذْفٌ: أَيْ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ فَصَارَتْ حَيَّةً تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ، وَهِيَ الْحَيَّةُ الْخَفِيفَةُ الصَّغِيرَةُ الْجِسْمِ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً.

وَقِيلَ: إِنَّهَا قُلِبَتْ لَهُ أَوَّلًا حَيَّةً صَغِيرَةً فَلَمَّا أَنِسَ مِنْهَا قُلِبَتْ حَيَّةً كَبِيرَةً.

وَقِيلَ: انْقَلَبَتْ مَرَّةً حَيَّةً صَغِيرَةً، وَمَرَّةً حَيَّةً تَسْعَى وَهِيَ الْأُنْثَى، وَمَرَّةً ثُعْبَانًا وَهُوَ الذَّكَرُ الْكَبِيرُ مِنَ الْحَيَّاتِ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى انْقَلَبَتْ ثُعْبَانًا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ لَهَا عِظَمُ الثُّعْبَانِ وَخِفَّةُ الْجَانِّ وَاهْتِزَازُهُ وَهِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى.

وَجَمْعُ الْجَانِّ جِنَّانٌ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ) .

(وَلَّى مُدْبِرًا) خَائِفًا عَلَى عَادَةِ الْبَشَرِ (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أَيْ لَمْ يَرْجِعْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يَلْتَفِتْ.

(يَا مُوسى لَا تَخَفْ) أَيْ مِنَ الْحَيَّةِ وَضَرَرِهَا.

(إِنِّي لَا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) وَتَمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا فَقَالَ: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) .

وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَحْذُوفٍ، وَالْمَعْنَى: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ وَإِنَّمَا يَخَافُ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ ظَلَمَ (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ) فَإِنَّهُ لا يخاف، قاله الفراء.

قال النحاس: استثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شيء لَمْ يُذْكَرْ وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ إِنِّي لا ضرب الْقَوْمَ إِلَّا زَيْدًا بِمَعْنَى إِنِّي لَا أَضْرِبُ الْقَوْمَ وَإِنَّمَا أَضْرِبُ غَيْرَهُمْ إِلَّا زَيْدًا، وَهَذَا ضِدُّ الْبَيَانِ، وَالْمَجِيءُ بِمَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ.

وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا: أَنَّ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ وَلَا مَنْ ظَلَمَ، قَالَ:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

قَالَ النَّحَّاسُ: وَكَوْنُ (إِلَّا) بِمَعْنَى الْوَاوِ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ فِي شيء مِنَ الْكَلَامِ، وَمَعْنَى (إِلَّا) خِلَافُ الْوَاوِ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: جَاءَنِي إِخْوَتُكَ إِلَّا زَيْدًا أَخْرَجْتَ زَيْدًا مِمَّا دَخَلَ فِيهِ الْإِخْوَةُ فَلَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا تَقَارُبَ.

وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا، وَالْمَعْنَى إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ بِإِتْيَانِ الصَّغَائِرِ الَّتِي لَا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ، سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، وَقَالَ: عَلِمَ اللَّهُ مَنْ عَصَى مِنْهُمْ يُسِرُّ الْخِيفَةَ فَاسْتَثْنَاهُ فَقَالَ: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ) فَإِنَّهُ يَخَافُ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ.

الضَّحَّاكُ: يَعْنِي آدَمَ وَدَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.

الزَّمَخْشَرِيُّ: كَالَّذِي فَرَطَ مِنْ آدَمَ وَيُونُسَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَإِخْوَةِ يُوسُفَ، وَمِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِوَكْزِهِ الْقِبْطِيَّ.

فَ «إِنْ قَالَ قَائِلٌ» : فَمَا مَعْنَى الْخَوْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ؟

قِيلَ لَهُ: هَذِهِ سَبِيلُ الْعُلَمَاءِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونُوا خَائِفِينَ مِنْ مَعَاصِيهِمْ وَجِلِينَ، وَهُمْ أَيْضًا لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَكُونَ قد بقي من أشراط التوبة شيء لَمْ يَأْتُوا بِهِ، فَهُمْ يَخَافُونَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى إِنِّي أَخَفْتُكَ لِقَتْلِكَ النَّفْسَ.

قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُذْنِبُ فَتُعَاقَبُ.

قَالَ الثَّعْلَبِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ: فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا صَحِيحٌ أَيْ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ صَغِيرَةٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.

وَكَانَ مُوسَى خَافَ مِنْ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ وَتَابَ مِنْهُ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مَعْصُومُونَ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ.

وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي (الْبَقَرَةِ) .

قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِتَنَصُّلِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، وَإِذَا أَحْدَثَ الْمُقَرَّبُ حَدَثًا فَهُوَ وَإِنْ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ الْحَدَثُ فَأَثَرُ ذَلِكَ الْحَدَثِ بَاقٍ، وَمَا دَامَ الْأَثَرُ وَالتُّهْمَةُ قَائِمَةً فَالْخَوْفُ كَائِنٌ لَا خَوْفَ الْعُقُوبَةِ وَلَكِنْ خَوْفَ الْعَظَمَةِ، وَالْمُتَّهَمُ عِنْدَ السُّلْطَانِ يَجِدُ لِلتُّهْمَةِ حَزَازَةً تُؤَدِّيهِ إِلَى أَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ صَفَاءَ الثِّقَةِ.

وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَانَ مِنْهُ الْحَدَثُ فِي ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِيِّ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَأَقَرَّ بِالظُّلْمِ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ غُفِرَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الْمَغْفِرَةِ: (رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) ثُمَّ ابْتُلِيَ مِنَ الْغَدِ بِالْفِرْعَوْنِيِّ الْآخَرِ وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَصَارَ حَدَثًا آخَرَ بِهَذِهِ الْإِرَادَةِ.

وَإِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنَ الْغَدِ لِقَوْلِهِ: (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) وَتِلْكَ كَلِمَةُ اقْتِدَارٍ مِنْ قَوْلِهِ لَنْ أَفْعَلَ، فَعُوقِبَ بِالْإِرَادَةِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَسُلِّطَ عَلَيْهِ الْإِسْرَائِيلِيُّ حَتَّى أَفْشَى سِرَّهُ، لِأَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّ لَمَّا رَآهُ تَشَمَّرَ لِلْبَطْشِ ظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، فَأَفْشَى عَلَيْهِ فَ (قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) فَهَرَبَ الْفِرْعَوْنِيُّ وَأَخْبَرَ فِرْعَوْنَ بِمَا أَفْشَى الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلَى مُوسَى، وَكَانَ الْقَتِيلُ بِالْأَمْسِ مَكْتُومًا أَمْرُهُ لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ، وَجَّهَ فِي طَلَبِ مُوسَى لِيَقْتُلَهُ، وَاشْتَدَّ الطَّلَبُ وَأَخَذُوا مَجَامِعَ الطُّرُقِ، جَاءَ رَجُلٌ يَسْعَى فَ (قالَ يَا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) الْآيَةَ.

فَخَرَجَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ.

فَخَوْفُ مُوسَى إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدَثِ، فَهُوَ وَإِنْ قَرَّبَهُ رَبُّهُ وَأَكْرَمَهُ وَاصْطَفَاهُ بِالْكَلَامِ فَالتُّهْمَةُ الْبَاقِيَةُ وَلَّتْ بِهِ وَلَمْ يُعَقِّبْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت