قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ)
أَيْ بِلِحْيَتِهِ وَذُؤَابَتِهِ.
وَكَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا - بِثَلَاثَ سِنِينَ، وَأَحَبَّ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ موسى، لأنه كان لين الغضب.
للعلماء فِي أَخْذِ مُوسَى بِرَأْسِ أَخِيهِ أَرْبَعَ تَأْوِيلَاتٍ الْأَوَّلُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَعَارَفًا عِنْدَهُمْ، كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنْ قَبْضِ الرَّجُلِ عَلَى لِحْيَةِ أَخِيهِ وَصَاحِبِهِ إِكْرَامًا وَتَعْظِيمًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِذْلَالِ.
الثَّانِي - أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِيُسِرَّ إِلَيْهِ نُزُولَ الْأَلْوَاحِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمُنَاجَاةِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْفِيَهَا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ التَّوْرَاةِ.
فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي، لِئَلَّا يُشْتَبَهَ سِرَارُهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِإِذْلَالِهِ.
الثَّالِثُ - إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ هَارُونَ مَائِلٌ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ أَمْرِ الْعِجْلِ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.
الرَّابِعُ - ضَمَّ إِلَيْهِ أَخَاهُ لِيَعْلَمَ مَا لَدَيْهِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ هَارُونُ لِئَلَّا يَظُنَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ أَهَانَهُ، فَبَيَّنَ لَهُ أَخُوهُ أَنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوهُ، يَعْنِي عَبَدَةَ الْعِجْلِ، وَكَادُوا يَقْتُلُونَهُ أَيْ قَارَبُوا.
فَلَمَّا سَمِعَ عُذْرَهُ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي، أَيِ اغْفِرْ لِي مَا كَانَ مِنَ الْغَضَبِ الَّذِي أَلْقَيْتُ مِنْ أَجْلِهِ الْأَلْوَاحَ، وَلِأَخِي لِأَنَّهُ ظَنَّهُ مُقَصِّرًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، أَيِ اغْفِرْ لِأَخِي إِنْ قَصَّرَ.
قَالَ الْحَسَنُ: عَبَدَ كُلُّهُمُ الْعِجْلَ غَيْرَ هَارُونَ، إِذْ لَوْ كَانَ ثَمَّ مُؤْمِنٌ غَيْرُ مُوسَى وَهَارُونَ لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي، وَلَدَعَا لِذَلِكَ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ فِعْلِهِ بِأَخِيهِ،
فَعَلَ ذَلِكَ لِمَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ فَيُعَرِّفُهُ مَا جَرَى لِيَرْجِعَ فَيَتَلَافَاهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: (يَا هارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ 20: 93 - 92) الْآيَةَ.
فَبَيَّنَ هَارُونُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَقَامَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْقَتْلِ.
فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ لِمَنْ خَشِيَ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ تغيير المنكر أن يسكت.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي (آلِ عِمْرَانَ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَضَبَ لَا يُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُغَيِّرْ غَضَبُهُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِهِ، بَلِ اطَّرَدَتْ عَلَى مَجْرَاهَا مِنْ إِلْقَاءِ لَوْحٍ وَعِتَابِ أَخٍ وَصَكِّ مَلَكٍ.
الهدوي: لِأَنَّ غَضَبَهُ كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسُكُوتَهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَوْفًا أَنْ يَتَحَارَبُوا أَوْ يَتَفَرَّقُوا.