فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ)
أَيْ أَتَى بِمَا يُلَامُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْمَلُومُ فَهُوَ الَّذِي يلام، استحق ذلك أولم يَسْتَحِقَّ.
وَقِيلَ: الْمُلِيمُ الْمَعِيبُ.
يُقَالُ لَامَ الرَّجُلَ إِذَا عَمِلَ شَيْئًا فَصَارَ مَعِيبًا بِذَلِكَ الْعَمَلِ.
(فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)
قَالَ الْكِسَائِيُّ: لَمْ تُكْسَرْ (أَنَّ) لِدُخُولِ اللَّامِ، لِأَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لَهَا.
النَّحَّاسُ: وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ، إِنَّمَا اللَّامُ في جواب لولا.
(فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)
أَيْ مِنَ الْمُصَلِّينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
أَيْ عُقُوبَةً لَهُ، أَيْ يَكُونُ بَطْنُ الْحُوتِ قَبْرًا لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَاخْتُلِفَ كَمْ أَقَامَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ.
فَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
الضَّحَّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا.
عَطَاءٌ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَقِيلَ: سَاعَةً وَاحِدَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ - حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ أَنْ خُذْهُ وَلَا تَخْدِشْ لَحْمًا وَلَا تَكْسِرْ عَظْمًا فَأَخَذَهُ ثُمَّ هَوَى بِهِ إِلَى مَسْكَنِهِ مِنَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْبَحْرِ سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا فَقَالَ فِي نَفْسِهِ مَا هَذَا؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: (إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ قَالَ:(فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ) قَالَ: (فَسَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ) قَالَ: (ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ)
قَالُوا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الذي كان يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ قَالَ نَعَمْ.
فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَمَرَ الْحُوتَ بِقَذْفِهِ فِي السَّاحِلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ سَقِيمٌ) .
وَكَانَ سَقَمُهُ الَّذِي وَصَفَهُ بِهِ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ أَلْقَاهُ الْحُوتُ عَلَى السَّاحِلِ كَالصَّبِيِّ الْمَنْفُوسِ قَدْ نُشِرَ اللَّحْمُ وَالْعَظْمُ.
وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ الْحُوتَ سَارَ مَعَ السَّفِينَةِ رَافِعًا رَأْسَهُ يَتَنَفَّسُ فِيهِ يُونُسُ وَيُسَبِّحُ، وَلَمْ يُفَارِقْهُمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَرِّ، فلفظه سالما لم يغير منه شيء فَأَسْلَمُوا، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيِّ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْبَارِي فِي جِهَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
قِيلَ لَهُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى) فَقِيلَ لَهُ: مَا وَجْهُ الدَّلِيلِ فِي هَذَا الْخَبَرِ؟ فَقَالَ: لَا أَقُولُهُ حَتَّى يَأْخُذَ ضَيْفِي هَذَا أَلْفَ دِينَارٍ يَقْضِي بِهَا دَيْنًا.
فَقَامَ رَجُلَانِ فَقَالَا: هِيَ عَلَيْنَا.
فَقَالَ لَا يَتْبَعُ بِهَا اثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ.
فَقَالَ وَاحِدٌ: هِيَ عَلَيَّ.
فَقَالَ: إِنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ، فَصَارَ فِي قَعْرِ الْبَحْرِ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، وَنَادَى (لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87] كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الرَّفْرَفِ الْأَخْضَرِ وَارْتَقَى بِهِ صُعُدًا، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، ومنا جاه رَبُّهُ بِمَا نَاجَاهُ بِهِ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى بِأَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ يُونُسَ فِي.
بَطْنِ الْحُوتِ فِي ظُلْمَةِ الْبَحْرِ.
* ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ: أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ أَصَابَ أَهْلَهَا عَاصِفٌ مِنَ الرِّيحِ، فَقَالُوا: هَذِهِ بِخَطِيئَةِ أَحَدِكُمْ.
فَقَالَ يُونُسُ وَعَرَفَ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُ الذَّنْبِ: هَذِهِ خَطِيئَتِي فَأَلْقُونِي فِي الْبَحْرِ، وَأَنَّهُمْ أَبَوْا عَلَيْهِ حَتَّى أَفَاضُوا بِسِهَامِهِمْ (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ)
فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ بِذَنْبِي.
وَأَنَّهُمْ أَبَوْا عَلَيْهِ حَتَّى أَفَاضُوا بِسِهَامِهِمُ الثَّانِيَةَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، وَأَنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يُلْقُوهُ فِي الْبَحْرِ حَتَّى أَعَادُوا سِهَامَهُمُ الثَّالِثَةَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَذَلِكَ تَحْتَ اللَّيْلِ فَابْتَلَعَهُ الْحُوتُ.
* أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ يُونُسَ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، وَأَنَّ تَسْبِيحَهُ كَانَ سَبَبَ نَجَاتِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ إِذَا عَثَرَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) مِنَ الْمُصَلِّينَ الْمُطِيعِينَ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ.
وَقَالَ وَهْبٌ: مِنَ الْعَابِدِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ لَهُ صَلَاةٌ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ عَمَلًا صَالِحًا فِي حَالِ الرَّخَاءِ فَذَكَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي حَالِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَيَرْفَعُ صَاحِبَهُ، وَإِذَا عَثَرَ وَجَدَ مُتَّكَأً.
قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَبِيئَةٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ) فَيَجْتَهِدُ العبر، وَيَحْرِصُ عَلَى خَصْلَةٍ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ، يُخْلِصُ فِيهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَيَدَّخِرُهَا لِيَوْمِ فَاقَتِهِ وفقره، ويخبؤها بِجَهْدِهِ، وَيَسْتُرُهَا عَنْ خَلْقِهِ، يَصِلُ إِلَيْهِ نَفْعُهَا أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وسلم مِنْ حَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ - فِي رِوَايَةٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ - يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ الْغَارِ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أعمالا عملتموها صالحه لله بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ) الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ وَهُوَ مَشْهُورٌ، شُهْرَتُهُ أَغْنَتْ عَنْ تَمَامِهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمَّا قَالَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ (لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)
قَذَفَهُ الْحُوتُ.
وَقِيلَ: (مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) مِنَ الْمُصَلِّينَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ.
قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَسْبِيحُ اللِّسَانِ الْمُوَافِقُ لِلْجَنَانِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ قَبْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ.
قَالَ: فَسَبَّحَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ.
قَالَ: فَسَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا إِنَّا نسمع صوتا ضفيفا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ.
وَتَكُونُ (كانَ) عَلَى هَذَا الْقَوْلِ زَائِدَةً.
أَيْ فَلَوْلَا أَنَّهُ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ.
وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (دعاه ذِي النُّونِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ(لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) لم يدع به رجل مسلم في شيء قط الا استجب لَهُ)
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَةِ (الْأَنْبِيَاءِ) فَيُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَبْلُ مُصَلِّيًا مُسَبِّحًا، وَفِي بَطْنِ الْحُوتِ كَذَلِكَ.
وَفِي الْخَبَرِ: فَنُودِيَ الْحُوتُ، إِنَّا لَمْ نَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، إِنَّمَا جَعَلْنَاكَ لَهُ حِرْزًا وَمَسْجِدًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ.