قوله تعالى: (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ)
قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (الرِّيحِ) عَلَى الْإِفْرَادِ، وَكَذَا فِي الْأَعْرَافِ وَالْكَهْفِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالنَّمْلِ وَالرُّومِ وَفَاطِرِ وَالشُّورَى وَالْجَاثِيَةِ، لَا خِلَافَ بَيْنِهِمَا فِي ذَلِكَ.
وَوَافَقَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْأَعْرَافِ وَالنَّمْلِ وَالرُّومِ وَفَاطِرٍ وَالشُّورَى.
وَأَفْرَدَ حَمْزَةُ (الرِّيحَ لَوَاقِحَ) .
وَأَفْرَدَ ابْنُ كَثِيرٍ (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيحَ) فِي الْفُرْقَانِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ فِي جَمِيعِهَا سِوَى الَّذِي فِي إِبْرَاهِيمَ وَالشُّورَى فَلَمْ يَقْرَأْهُمَا بِالْجَمْعِ سِوَى نَافِعٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ السَّبْعَةُ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ.
وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرُّومِ هُوَ الثَّانِي (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ) .
وَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي (الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ) .
وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ يَجْمَعُ الرِّيَاحَ إِذَا كَانَ فِيهَا أَلِفٍ وَلَامٍ فِي جَمِيعِ القرآن، سوى (تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ) و (الرِّيحَ الْعَقِيمَ) .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ أَفْرَدَ.
فَمَنْ وَحَّدَ الرِّيحَ فَلِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يَدُلُّ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَمَنْ جَمَعَ فَلِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ الَّتِي تَهُبُّ مِنْهَا الرِّيَاحُ.
وَمَنْ جَمَعَ مع الرحمة ووحَّد مَعَ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ في القرآن، نحو: (الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ) و (الرِّيحَ الْعَقِيمَ) فَجَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ مَجْمُوعَةً مَعَ الرَّحْمَةِ مُفْرَدَةً مَعَ الْعَذَابِ، إِلَّا فِي يُونُسَ فِي قَوْلِهِ: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) .
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَقُولُ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا) .
وَذَلِكَ لِأَنَّ رِيحَ الْعَذَابِ شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم وَاحِدٌ، وَرِيحُ الرَّحْمَةِ لَيِّنَةٌ مُتَقَطِّعَةٌ فَلِذَلِكَ هِيَ رِيَاحٌ.
فَأُفْرِدَتْ مَعَ الْفُلْكِ فِي (يُونُسَ) ، لِأَنَّ رِيحَ إِجْرَاءِ السُّفُنِ إِنَّمَا هِيَ رِيحٌ وَاحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ ثُمَّ وُصِفَتْ بِالطَّيِّبِ فَزَالَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِيحِ الْعَذَابِ.