فهرس الكتاب

الصفحة 1697 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها)

أَيْ ظِلُّ الْأَشْجَارِ فِي الْجَنَّةِ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأَبْرَارِ، فَهِيَ مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيَادَةً فِي نَعِيمِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَا شَمْسَ وَلَا قَمَرَ ثَمَّ، كَمَا أَنَّ أَمْشَاطَهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَإِنْ كَانَ لَا وَسَخَ وَلَا شَعَثَ ثَمَّ.

وَيُقَالُ: إِنَّ ارْتِفَاعَ الْأَشْجَارِ فِي الْجَنَّةِ مِقْدَارَ مِائَةِ عَامٍ، فَإِذَا اشْتَهَى وَلِيُّ اللَّهِ ثَمَرَتَهَا دَانَتْ حَتَّى يَتَنَاوَلَهَا.

وَانْتَصَبَتْ دانِيَةً عَلَى الْحَالِ عَطْفًا عَلَى مُتَّكِئِينَ كَمَا تَقُولُ: فِي الدَّارِ عَبْدُ اللَّهِ مُتَّكِئًا وَمُرْسَلَةٌ عَلَيْهِ الْحِجَالُ.

وَقِيلَ: انْتُصِبَتْ نَعْتًا لِلْجَنَّةِ، أَيْ وَجَزَاهُمْ جَنَّةً دَانِيَةً، فَهِيَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ.

وَقِيلَ: عَلَى مَوْضِعِ (لَا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا) وَيَرَوْنَ دَانِيَةً، وَقِيلَ: عَلَى الْمَدْحِ أَيْ دَنَتْ دَانِيَةً.

قَالَهُ الْفَرَّاءُ.

(وَذُلِّلَتْ)

أَيْ سُخِّرَتْ لَهُمْ قُطُوفُها أَيْ ثِمَارُهَا تَذْلِيلًا أَيْ تَسْخِيرًا، فَيَتَنَاوَلُهَا الْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ وَالْمُضْطَجِعُ، لَا يَرُدُّ أَيْدِيَهُمْ عَنْهَا بُعْدٌ وَلَا شَوْكٌ، قَالَهُ قَتَادَةُ.

وَقَالَ مجاهد: إن قام أحدا ارْتَفَعَتْ لَهُ، وَإِنْ جَلَسَ تَدَلَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنِ اضْطَجَعَ دَنَتْ مِنْهُ فَأَكَلَ مِنْهَا.

وَعَنْهُ أَيْضًا: أَرْضُ الْجَنَّةِ مِنْ وَرَقِ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَطِيبُهَا مِسْكٌ أَذْفَرُ، وَأُصُولُ شَجَرِهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ، وَأَفْنَانُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ، وَالثَّمَرُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا قَائِمًا لَمْ تُؤْذِهِ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا قَاعِدًا لَمْ تُؤْذِهِ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا مُضْطَجِعًا لَمْ تُؤْذِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا هَمَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ ثِمَارِهَا تَدَلَّتْ إِلَيْهِ حَتَّى يَتَنَاوَلَ مِنْهَا مَا يُرِيدُ، وَتَذْلِيلُ الْقُطُوفِ تَسْهِيلُ التَّنَاوُلِ.

وَالْقُطُوفُ: الثِّمَارُ، الْوَاحِدُ قِطْفٌ بِكَسْرِ الْقَافِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُقْطَفُ، كَمَا سُمِّيَ الْجَنَى لِأَنَّهُ يُجْنَى.

تَذْلِيلًا تَأْكِيدٌ لِمَا وُصِفَ بِهِ مِنَ الذُّلِّ، كَقَوْلِهِ: (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا) [النساء: 164] .

الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَذْلِيلُ قُطُوفِهَا أَنْ تَبْرُزَ لَهُمْ مِنْ أَكْمَامِهَا، وَتَخْلُصَ لَهُمْ مِنْ نَوَاهَا.

قُلْتُ: وَفِي هَذَا بُعْدٌ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَخْلُ الْجَنَّةِ: جُذُوعُهَا زُمُرُّدُ أَخْضَرُ، وَكَرَبُهَا ذَهَبٌ أَحْمَرُ، وَسَعَفُهَا كِسْوَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، مِنْهَا مُقَطَّعَاتُهُمْ وَحُلَلُهُمْ، وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ وَالدِّلَاءِ، أَشَدُّ

بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ لَيْسَ فِيهِ عَجَمٌ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَيُقَالُ الْمُذَلَّلُ الَّذِي قَدْ ذَلَّلَهُ الْمَاءُ أَيْ أَرْوَاهُ.

وَيُقَالُ الْمُذَلَّلُ الَّذِي يُفَيِّئُهُ أَدْنَى رِيحٍ لِنِعْمَتِهِ، وَيُقَالُ الْمُذَلَّلُ الْمُسَوَّى، لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: ذَلِّلْ نَخْلَكَ أَيْ سَوِّهِ، وَيُقَالُ الْمُذَلَّلُ الْقَرِيبُ الْمُتَنَاوَلُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: حَائِطٌ ذَلِيلٌ أَيْ قَصِيرٌ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي حَكَيْنَاهَا ذَكَرَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وقالوها في قول امرئ القيس:

وساق كأنبوب السقي المذلل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت