رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عبد الله بن أبي سَلُولٍ وَصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ.
ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
وَتَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَجَبَذَ ثَوْبَهُ وَتَلَا عَلَيْهِ (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا) الْآيَةَ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.
وَالرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ عَلَى خِلَافِ هَذَا، فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ [بَرَاءَةٌ] (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا) وَنَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [التوبة: 80] وسأزيد على
سَبْعِينَ) قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ.
فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ لَفْظِ إِسْلَامِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَمَّا نُهِيَ عَنْهُ.
* إِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ قَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ نَهْيٌ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ.
قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ فِي خَاطِرِهِ، وَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْهَامِ وَالتَّحَدُّثِ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ كَانَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ عَلَى مُرَادِهِ، كَمَا قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ.
وَجَاءَ: فِي أَرْبَعٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ.
فَيَكُونُ هَذَا مِنْ ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [التوبة: 80] الْآيَةَ.
لَا أَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ نَهْيٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَهُ مِنْ قوله تعالى: (مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: 113] لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهَا.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الْآيَةَ.
بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ وَإِنِ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ لَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ أَكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: (لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ) .
قُلْتُ: وَهَذَا خِلَافُ مَا ثَبَتَ فِي حديث ابن عمر (وسأزيد على السبعين) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ لَزِدْتُ عَلَيْهَا) .
قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ.
* وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) هَلْ هو إياس وتخيير فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمَقْصُودُ بِهِ الْيَأْسُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) .
وَذِكْرُ السَّبْعِينَ وِفَاقٌ جَرَى أَوْ هُوَ عَادَتُهُمْ فِي الْعِبَارَةِ عن الكثير والاغياء.
فإذا قال قائلهم: لا أكلمه
سَبْعِينَ سَنَةً صَارَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لَا أُكَلِّمُهُ أَبَدًا.
وَمِثْلُهُ فِي الْإِغْيَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا) ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ تَخْيِيرٌ - مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعُرْوَةُ - إِنْ شِئْتَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَإِنْ شِئْتَ لَا تَسْتَغْفِرُ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ قَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ الْقَائِلِ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟.
فَقَالَ: (إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ) .
قَالُوا: ثُمَّ نُسِخَ هَذَا لَمَّا نَزَلَ (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) .
(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا) أَيْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ لِكُفْرِهِمْ.
* قوله تعالى: (مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) الْآيَةَ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عِنْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا.
وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فَهِمَ مِنْهَا التَّخْيِيرَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ) وَهَذَا مُشْكِلٌ.
فَقِيلَ: إِنَّ اسْتِغْفَارَهُ لِعَمِّهِ إِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ اسْتِغْفَارًا مَرْجُوَّ الْإِجَابَةِ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ الْمَغْفِرَةُ.
وَفِي هَذَا الِاسْتِغْفَارِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ لِأُمِّهِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ.
وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِي خُيِّرَ فِيهِ فَهُوَ اسْتِغْفَارٌ لِسَانِيٌّ لَا يَنْفَعُ وَغَايَتُهُ تَطْيِيبُ قُلُوبِ بَعْضِ الْأَحْيَاءِ مِنْ قَرَابَاتِ الْمُسْتَغْفَرِ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* وَاخْتُلِفَ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَقِيلَ: إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ قَدْ أَعْطَى الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبَّاسَ لَمَّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ - عَلَى مَا تَقَدَّمَ - وَسُلِبَ ثَوْبُهُ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ لَهُ قَمِيصًا فَمَا وُجِدَ لَهُ قَمِيصٌ يُقَادِرُهُ إِلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ، لِتَقَارُبِهِمَا فِي طُولِ الْقَامَةِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْطَاءِ الْقَمِيصِ أَنْ يَرْفَعَ الْيَدَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى لَا يَلْقَاهُ فِي الْآخِرَةِ وَلَهُ عَلَيْهِ يَدٌ يُكَافِئُهُ بِهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا أَعْطَاهُ الْقَمِيصَ إِكْرَامًا لِابْنِهِ وَإِسْعَافًا لَهُ فِي طُلْبَتِهِ وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرِ
ابن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ قَمِيصِي لَا يُغْنِي عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذَا أَلْفُ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِي.
كَذَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (مِنْ قَوْمِي) يُرِيدُ مِنْ مُنَافِقِي الْعَرَبِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَالَ: (رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ) .
وَوَقَعَ فِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ: فَأَسْلَمَ وَتَابَ لِهَذِهِ الْفَعْلَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفُ رَجُلٍ مِنَ الْخَزْرَجِ.