فهرس الكتاب

الصفحة 1673 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) أَيْ يَا ذَا الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيَابِهِ، أَيْ تَغَشَّى بِهَا وَنَامَ، وَأَصْلُهُ الْمُتَدَثِّرُ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ لِتَجَانُسِهِمَا.

* الثَّانِيَةُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

: مُلَاطَفَةٌ فِي الْخِطَابِ مِنَ الْكَرِيمِ إِلَى الْحَبِيبِ إِذْ نَادَاهُ بِحَالِهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِفَتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ يَا مُحَمَّدُ وَيَا فُلَانُ، لِيَسْتَشْعِرَ اللِّينَ وَالْمُلَاطَفَةَ مِنْ رَبِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ (الْمُزَّمِّلِ) .

وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ إِذْ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ: (قُمْ أَبَا تُرَابٍ) وَكَانَ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَقَطَ رِدَاؤُهُ وَأَصَابَهُ تُرَابُهُ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِحُذَيْفَةَ لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ: (قُمْ يَا نَوْمَانُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُمْ فَأَنْذِرْ) أَيْ خَوِّفْ أَهْلَ مَكَّةَ وَحَذِّرْهُمُ الْعَذَابَ إِنْ لَمْ يُسْلِمُوا.

وَقِيلَ: الْإِنْذَارُ هُنَا إِعْلَامُهُمْ بِنُبُوَّتِهِ، لِأَنَّهُ مُقَدِّمَةُ الرِّسَالَةِ.

وَقِيلَ: هُوَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِهَا.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قُمْ فَصَلِّ وَأْمُرْ بِالصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أَيْ سَيِّدَكَ وَمَالِكَكَ وَمُصْلِحَ أَمْرِكَ فَعَظِّمْ، وَصِفْهُ بِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدٌ.

وَفِي حَدِيثٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: بِمَ تَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ؟

فَنَزَلَتْ: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أَيْ وَصِفْهُ بِأَنَّهُ أَكْبَرُ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ تَكْبِيرَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ التَّكْبِيرُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّنْزِيهُ، لِخَلْعِ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ دُونَهُ، وَلَا تَتَّخِذْ وَلِيًّا غَيْرَهُ، وَلَا تَعْبُدْ سِوَاهُ، ولا ترى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إِلَّا لَهُ، وَلَا نِعْمَةً إِلَّا مِنْهُ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ وَقَدْ صَارَ هَذَا اللَّفْظُ بِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي تَكْبِيرِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا أَذَانًا وَصَلَاةً وَذِكْرًا بِقَوْلِهِ:(اللَّهُ أَكْبَرُ) وَحُمِلَ عَلَيْهِ لَفْظُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَارِدُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي مَوَارِدَ، مِنْهَا قَوْلُهُ:

(تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي بِعُرْفِهِ مَا يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ، وَمِنْ مَوَارِدِهِ أَوْقَاتُ الْإِهْلَالِ بِالذَّبَائِحِ لِلَّهِ تَخْلِيصًا لَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَإِعْلَانًا بِاسْمِهِ فِي النُّسُكِ، وَإِفْرَادًا لِمَا شَرَعَ مِنْهُ لِأَمْرِهِ بِالسَّفْكِ.

قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ (اللَّهُ أَكْبَرُ) هُوَ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ، وَعَلِمَتْ أَنَّهُ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ.

* الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) دَخَلَتْ عَلَى مَعْنَى جَوَابِ الْجَزَاءِ كَمَا دَخَلَتْ فِي (فَأَنْذِرْ) أَيْ قُمْ فَأَنْذِرْ وَقُمْ فَكَبِّرْ رَبَّكَ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ.

وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هُوَ كَقَوْلِكَ زَيْدًا فَاضْرِبْ، أَيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فَالْفَاءُ زَائِدَةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت