لجواز استغناء التركيب عن هذا المقحم من حيث الإعراب ليس غير، ومن قال غير ذلك فقد حاد عن الطريق الصحيح في رأيي، ومع ذلك فإن المقحم سواءً أكان اسمًا أم فعلًا أم حرفًا له دلالة معنوية تستخلص من السياق فكل كلمة لها أبعاد دلالية كثيرة وَ"للكلمة جوانب متعددة يمكن النظر إليها، فمن الجائز مثلًا النظر إليها على أنها سلسلة من الأصوات، أو على أنها عنصر نحوي، أو وحدة من وحدات المعنى" [1] .
وقد نظر علماء البلاغة إلى الكلمة لما لها من قيمة جمالية وتعبيرية، فالكلمة عندهم من حيث هي دالةٌ على معنى، قد تتميز عن غيرها أحيانًا، ومن حيث هي صوتٌ فهي أيضًا ذات قيمة جمالية وتعبيرية، بحيث إذا كانت غير متنافرة الأصوات أحدثت في الأذن متعة، وساعدت على تذوق المعنى وتوصيله، ولها علاوة على ذلك قدرة تعبيرية خاصة إذا كان جَرْسُها يتفق مع ما توحي به من دلالة [2] .
ودلالة الكلمة تأتي من خلال التركيب الذي هي فيه، وهذا ما بينه عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في نظرية النظم [3] التي جاء بها، فكل كلمة مرد دلالتها إلى النظم أو الأسلوب، فإقحامها وزيادتها في التركيب له معنى، فكل زيادة في المبنى يتبعها زيادة في المعنى"لأن تكثير اللفظ يفيد تقوية المعنى" [4] ، ومن هنا نصل إلى أن الدلالة لا تنفك أبدًا عن الكلمة المقحمة لا من قريب ولا من بعيد، وما قيل عن إقحامها فمرده إلى الناحية الإعرابية التي
(1) الكلمة دراسة لغوية ومعجمية، حلمي خليل، ط الهيئة العامة للكتاب، الإسكندرية، 1980 م. ص 14.
(2) دلائل الإعجاز / عبد القاهر الجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 199، وانظر: بلاغة الكلمة والجملة والجمل، منير سلطان، ط منشأة المعارف، الإسكندرية 1988 م، ص 28.
(3) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص 199 وما بعدها.
(4) كتاب الأشباه والنظائر / جلال الدين السيوطي، مراجعة: فايز ترحيني، دار الكتاب العربي، بيروت ط 3، 1996 م 1/ 255.