ومن هنا فإن تركيب الجمل القرآنية وسبكها هو الذي يمنح كلماته حظها من الحياة، وإن نظم القرآن خاضع لقواعد النحو في تركيب جمله، ومع ما يستتبع كل جملة من مكملات. فالقرآن الكريم بما يشتمل عليه من ألفاظ متمكنة في مواضعها، صورة لمعناها، تدل عليه أبلغ الدلالة بحيث تقتضي كل آية عمقًا في النظرة، وقريحة متوقدة [1] .
فالآية القرآنية بناء متكامل، يأخذ بعضه بعجز بعض، ولا يمكن أن يؤخر ما قُدِّم، أو يقدم ما أخر، أو يؤكد ما حذف، أو يحذف ما ذكر، أو يوجز فيما أطيل منه، أو يطنب فيما أوجز فيه، لكل مقام مقال، ولكل كلمة مع صاحبتها موقف، وكأنما لم يخلق الله لأداء تلك الدلالات غير هذه القوالب، على اتساع اللغة بألفاظها وأشكالها.
فلكل لفظ مقام في التركيب، تقتضيه الصياغة، ويتطلبه المعنى ويدعو إليه النسق، ويستلزمه من النظم في القرآن. ولا يستطيع أن يلم بسائر الدلالات، ويوازن بين دلالة وأخرى، ويضع الكلمة المعبرة سواءً أكانت اسما أم فعلًا أم حرفًا في الموضع المناسب لها [2] .
فإتمام الجملة في التركيب ما كان ليكون لولا وجود معنى وراءها. وهو ما تنبه إليه النحاة والبلاغيون، وذكروا له معاني كثيرة، وهذا النوع من الإقحام لم يجد رفضًا من النحاة والبلاغيين، فيكاد يكون هناك شبه إجماع عليه وما دعت لوجوده بين المتلازمين إلا الحاجة المعنوية، ويعرف باسم الجملة المعترضة، فالجملة المعترضة أو (الاعتراض) لم يجد إنكارًا من علماء اللغة مع أنه إقحام لجملة أو أكثر في السياق التركيبي، ومما يؤيد ما نذهب إليه من عدم إنكارهم لهذا المصطلح عَدُّ الجملة المعترضة ضمن
(1) مفهوم الإعجاز القرآني / أحمد جمال العمري، ص 294.
(2) المرجع السابق، ص 295.